معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري > شرح حديث عنوان البصري - من المجلس رقم 101 إلى 200 > شرح حديث عنوان البصري - الجلسة رقم 165: حقيقة الوحي وكيفية نزوله على قلب النبي صلى الله عليه وآله

_______________________________________________________________

هو العليم

شرح حديث عنوان البصري المحاضرة 165

حقيقة الوحي وكيفية نزوله على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله

ألقيت صباح الجمعة 15 ربيع الأول 1430 هجري قمري

ألقاها:
سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني حفظه اللـه

 

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف تحميل ملف البد دي أف

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين

    

ضرورة رياضة النفس

يقول الإمام الصادق عليه السلام ضمن توصياته لعنوان البصري: "ثلاثة في رياضة النفس"، وهذه الثلاثة التي ذكرها عليه السلام تتعلّق بالمأكولات.
وقد تقدّم أنّ مسألة الرياضة: عبارة عن التحرّك والمواجهة مع النزعات والرغبات النفسية ومقاومتها، وذكرنا أنّ الرياضة بهذا المعنى لا تختصّ بالمأكولات فحسب، وإنّما هي أمر عام وشامل، و أنّ مراد الإمام عليه السلام هو بيان هذا الأمر في قالب عام و كلّي، غاية الأمر أنّه لاحظ أنّ أغلب الناس لا يراعون الضوابط و المباني اللازمة فيما يختصّ بالمأكولات، فسلّط عليه السلام الضوء بشكل خاصّ على هذا الجانب. وإن شاء الله سوف نبيّن في المستقبل القريب بعض التوضيحات المتعلّقة بهذا الموضوع، سنبيّن ما هو ممشى الأولياء الإلهيين وطريقتهم فيما يتعلّق بكيفية تناول الطعام وكميّة الأكل والمنهج الصحيح الذي ينبغي الالتزام به في ذلك.
وفي الجلسات السابقة كنّا قد ذكرنا للإخوان، أنّ الرياضة مشتقة من: راضَ يروضُ روضاً ورياضةً، بمعنى: التنقّل والتحرّك. وهذا التنقّل النفسي والحركة النفسية من الممكن أن تحصل في جميع الأحوال؛ المناسب منها وغير المناسب، إلاّ أنّ ما يُطرح في مبحث رياضة النفس هو مخالفة النفس و ترويضها و التعامل معها في مقابل الأمور التي تطلبها النفس و ترغب فيها و تشتاق إليها، فعلى الإنسان أن يحدّد منهجه و يختار طريقه فيما يتعلّق بهذا الأمر.
فالنفس تميل إلى العديد من المسائل وترغب في الكثير من الأمور، فمن ناحية المسائل الجسميّة والبدنيّة، نرى أنّ النفس تتعلّق بكلّ ما يوجب الالتذاذ النفساني من النكاح والزواج وكذلك المأكولات والمشروبات وتشتاق إليه، وكذلك مشاهدة المناظر الجميلة، وشمّ الروائح المستحسنة والعطرة، أو استماع الأصوات الحسنة... و نحن سوف نتحدّث عن هذا الأمر بشكل أكبر في المستقبل إن شاء الله، حيث سنبيّن كيفيّة تأثير الصوت الحسن بشكل إيجابي على حركة الإنسان، كما سنبحث في تأثير المناظر الجميلة على تلطيف الروح! كما سنبيّن أنّ الروائح العطرة كيف يمكن أن تؤثّر على النفس، وإلى أيّ حدّ يمكن لها أن تهيئ أرضيّة خاصّة للإنسان تساعده على التوجّه ؛ ففرق بين أن يكون الإنسان في محيط تفوح فيه رائحة جميلة، وبين أن يكون في مكان رائحته كريهة ونتنة، فجميع ذلك له تأثير على الإنسان، و مثل ذلك الأصوات؛ فهي تؤثّر على نفس الإنسان، و عند الحديث عن ذلك سوف نتعرّض إلى موضوع الموسيقى وحرمتها، وكيفية تأثيرها على حركة الإنسان، وكذلك المشاهد التي يراها الإنسان بعينيه، ومدى تأثير النظر على الإنسان، فالنظر إمّا أن يؤثّر إيجاباً على تجرّد النفس وتسريع حركتها، وإمّا أن يوجب سقوط الإنسان ويمنع حركته ويستوجب وقوفه... جميع هذه الأمور من مسموعات و ملموسات و مذوقات و مرئيات كلّها مرتبطة بالأمور الفيزيائيّة التي تتعلّق ببدن الإنسان.
وفي مقابل ذلك، تشتاق النفس إلى أمور من نوع آخر وتلتذّ بها، من قبيل: الاهتمام بالشخصية و المكانة ، وكون الإنسان محبوباً بين الأصدقاء و الأقران، وكذلك الحرص على أن يكون مورد اهتمام الآخرين والتفاتهم، وكذلك الرغبة في تحصيل الصيت والسمعة والشهرة وأن يصبح معروفاً ومشهوراً، وكون اسمه شائعاً ومذكوراً في كل مكان.

    

خطورة السعي وراء الشهرة والسمعة

لقد كان السيّد الوالد ـ رحمة الله عليه و على أموات المؤمنين ـ يوجّهنا مراراً وبأشكال مختلفة إلى الابتعاد عن الشهرة، وقد كثر ذلك منه بشكل خاصّ في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته، فهذا الأمر قد تكرر منه خصوصاً في أواخر حياته عدّة مرّات... أذكر أنّه ذات مرّة كنت قد وصلت إلى منزل الوالد بعد الظهر، وكان هناك أمر معيّن يكاد يحصل، ولم يكن أحدٌ آخر غيري مطّلعاً على ما جرى، وكان ذلك الأمر سيتسبب في تغيير مكانتي الاجتماعية، وسيؤدّي إلى أن أصبح مشهوراً ومعروفاً، فما إن وصلت بعد الظهر لأكون بخدمته طبقاً للعادة الجارية، حتّى خرج والدي من الغرفة التي كان فيها إلى الغرفة الثانية، واستقبلني هناك فسلّمنا على بعضنا وقال لي: "إذا أردتَ خير الدنيا فلا تكن معروفاً وابتعد عن الشهرة! وإن كنت تريد خير الآخرة فابق غير معروف وابتعد عن الشهرة!" قال لي ذلك ثمّ ذهب. وقد فهمت بدوري ما هو الأمر الذي يريد سماحته الإشارة إليه، ثمّ بعد ذلك فهمت و أدركت أن أكبر آفة تضرّ بدين الإنسان وسعادته هي هذه المسألة؛ أعني الشهرة و المعروفية.
نعم، مما لا شكّ فيه أنّ إرادة الله في بعض الأوقات تقتضي أن يكون الإنسان معروفاً ومشهوراً، وهذا الأمر على حدة؛ كأن تكون إرادة الله في أن يذهب الإنسان إلى أماكن متعدّدة هنا و هناك و أن يتحدث ويخطب في الناس... فهذا الأمر على حدة. ولكن في بعض الأحيان يسعى الإنسان هو بنفسه إلى الشهرة و المعروفية، فنفس الإنسان يقدم على بعض الأعمال لأجل الشهرة و ذياع الصيت، فهذا الإنسان هو من قام بأعماله تلك! ثمّ يتظاهر بأنّه ساذج و بسيط جداً ولا دخل له في ذلك، ثم يرميها على الله! هو يقوم بالفعل، ثم يقول: هذه إرادة الله! كان هذا تكليفاً! لم يكن هناك من حيلة!
لا يا عزيزي! لم تكن هذه إرادة الله، بل كانت إرادة جنابكم، وليست إرادة الله، إنّما إرادة الله هي أن تجلس في المنزل وألاّ تحرّك ساكناً؛ غاية الأمر أننا نتخيّل بأن الأشياء كافّة يجب أن تكون [من خلالنا و] تحت سيطرتنا، حتى جبرائيل و ميكائيل يجب أن يكونا تحت سيطرتنا، لكن الأمر ليس كما نتصوّر.
بكل الأحوال، إنّ جميع هذا الشقاء وهذه المآسي التي تواجه الإنسان في حركته وسيره، والتي تسلب الإنسان سعادته، وقد تؤول به إلى الخسران والشقاء، هي من جرّاء ذلك، فالنفس تشعر باللذّة من الشهرة، مثلاً يقولون لأحد الأشخاص: " لقد كنّا في المجلس (الفلاني) وقد ذُكر اسمك بالخير، وقاموا بمدحك..."، فتجده يتبسّم بَسْمة الرضا، أو إذا لم يفعل، وأظهر بعض التجهّم في الظاهر وقال " لا، لماذا ...؟" ، فإنّه في باطنه يقول: "جيّد، الحمد لله أنّ اسمي موجود هناك، وموضوعي ورأيي واقتراحي قد طُرح"، كذلك لو قيل: "يا فلان، لقد رأينا آثارك و كتبك في المكان الفلاني" ، فإنّ جميع هذه الأمور توجب الفرحة والترحيب عند الإنسان، سواءً تبسّم في الظاهر أم كتم ابتسامته ظاهراً و لكن ابتسامته في الباطن كانت أكبر بكثير، فلا فرق في كلا الحالتين، الأمر واحد وليس التفاوت إلا من حيث الظهور و البطون، بينما أصل الموضوع واحد. وعلى الإنسان إذا ما حصل حديثٌ معيّن في مكان ما و طرحت مسألة معيّنة أو حصل مديحٌ ما، فينبغي أن يرى ذلك[الخير] من الله، وإذا ما وُجّه إليه لومٌ أو انتقادٌ في مجلس آخر، فينبغي أن لا ينزعج.
قال البعض لهذا العبد: لقد قالوا في المكان الفلاني عن كتابك كذا و كذا، و وجهوا له النقد. فقلت لهم: أنا لم أكتب لهؤلاء، ولذا لا أشعر بالانزعاج سواءً أكان رأيهم إيجابيّاً أم سلبيّاً. بل لو كان رأيهم بالنسبة للكتاب إيجابيّاً فعندها ينبغي أن أتعجّب من ذلك؛ فهذا الكتاب الذي كتبت وهذا الكلام الذي أتكلّم به الآن موجّه إلى فئة معيّنة من الأفراد، وهم سيفرحون به.
كان للمرحوم العلامة رضوان الله عليه كتباً، وكان هناك أخذ ورد فيما يتعلّق بتلك الكتب، ففي المجمل هناك الكثير ممّن لم يستطع تقبّل ما ورد فيها. وهو كان يقول:
" إذا لم يرضوا، فلا بأس؛ دعهم لا يرضون؛ فهل نحن من الأصل كنّا قد كتبنا هذه المواضيع لأجلهم؛ حتّى نتوقّع منهم أن يقبلوا بها؟! نحن إنّما كتبنا هذه المواضيع لأجل تنبّهوا! هذا هو العارف، وهذا هو وليّ الله، حيث لا يرى المسائل من نفسه، ولا ينسبها إلى نفسه، وإنّما يرى أنّ هذه المواضيع من مكان آخر نحن إنما كتبنا هذه المواضيع للأشخاص الذين لم تُغْلَق نافذة قلوبهم اتجاه الأمور الواقعيّة والحقيقيّة هل التفتّم إلى دقّة المسألة؟! نحن كتبنا هذه المواضيع للأشخاص الذين لم يسدّوا الطريق بينهم وبين الله، نحن كتبنا لهؤلاء".
حسناً.. لو جاء هؤلاء الأشخاص الطاهرون وقرؤوا هذه الكتب ثمّ انتقدوها و ذمّوها، فحينئذ يمكن أن نتعجّب. وأمّا إذا كان هذا النقد من أفراد آخرين ممّن قلوبهم مسدودة ومقفلة، ولا يريدون أن يستمعوا إلى الحقيقة، ولا يريدون أن يدركوا الواقعيّة، فما إن تتراءى لهم الحقيقة و تتضّح لهم، فإنّهم يغمضون أعينهم ويذهبون إلى الفكرة اللاحقة، وما إن يطرق سمع أحدهم مطلباً مخالفاً لما يعتقد، تجده يثني رأسه ويجعل أصابعه في آذانه، ويقفز إلى القسم الثاني من الكلام. إنّ هؤلاء الأفراد ينبغي أن يذمّوا هذه الكتب! وهذا أمر طبيعي جداً، وهذه المعادلة معادلة بسيطة وطبيعيّة.

    

كيفية نزول القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وآله

لمن نزل القرآن الكريم؟ هل هو للكفّار؟ لا..
هل هو للمشركين؟ لا..
طبعاً ليس المقصود من الكفّار و المشركين أُولئك الكفّار و المشركين المعروفين، لا، بل المراد من الكفار هنا: أُولئك الذين يثبتون على حالة الكفر والجحود وإغلاق عقولهم وأفهامهم، يعني الذين يريدون أن يبقوا نائمين، فالقرآن لم ينزل لهؤلاء، والله وبالله.. أقسم أنّه لم ينزل حرف واحد من القرآن لأجل هؤلاء الأفراد، لماذا؟ لأنّه نقض للغرض!
يقول تعالى: ﴿ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [1]، فهذا الكتاب نزل من عند الله، ونزل على أساس الطهارة، فمن أوّل {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، إلى آخر سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } إنّما هو قائم على أساس الطهارة والعصمة، وهذه الحروف نزلت على أساس الطهارة، فلو بقيت هذه الحقائق والمعاني في ذاك العالم المتعالي، فهل كان يمكننا أن نطّلع عليها؟! بالطبع لا، ولولا أنّها نزلت على قلب النبيّ فهل كان بإمكاننا أن نطلّع عليها؟! أبداً! فرتبة الطهارة، وطهارة السرّ في اللوح المحفوظ حيث الطهارة الواقعية لا مجرّد الحروف، فهذا القرآن هو القرآن المستقرّ هناك، لكن بعد تغييره إلى صورة لفظية، وتحويله إلى كلمات، صار بهذا الشكل، وللتقريب أطرح هذا المثال: حينما تواجهون واقعاً معيناً، وتشاهدون قضيّة معيّنة...، افرضوا مثلاً أنّكم لمّا جئتم من طهران إلى قم من أجل زيارة حضرة السيدة المعصومة سلام الله عليها بالدرجة الأولى، ثمّ للمشاركة بهذا المجلس بالدرجة الثانية، صحيح؟! ينبغي أن يراعي الإنسان المراتب! فمَن يأتي إلى قم ينبغي أن يكون قصده الأول هو زيارة حضرة السيدة المعصومة، ذاك هو المهم! ذاك هو الأصل! وسماع المحاضرة فرع! فلو حصلت آثار تلك الزيارة فسوف نستفيد من هذا المجلس، وإلاّ فلو لم نقم بزيارة حضرة السيدة المعصومة سلام الله عليها، فلن نستفيد من هذا المجلس أبداً أبداً...، فالهدف هو زيارة السيدة المعصومة، نعم على هامش ذلك نسمع بعض الكلمات، ونرى الأصدقاء والإخوة، ونتبادل المواضيع ونأنس بالأصدقاء والأحبة... وهذا أمر آخر، وينبغي للإخوة أن يراعوا هذه المسألة ويلتفتوا إليها.
حسناً... إنّ هذه المسافة التي قطعناها حتّى وصلنا إلى هنا كانت مسافةً حقيقيّة وواقعيّة، فقد رأينا في الطريق جبلاً.. رأينا صحراء.. رأينا غيماً.. رأينا سيّارةً.. وافرضوا أنّنا شاهدنا أيضاً مطراً وثلوجاً، وكذلك رأينا شمساً، وأحسسنا بالحرارة، كما شاهدنا العديد من المسائل الأخرى، فالحاصل أنّه كان هناك العديد من المسائل في هذه الرحلة. ثمّ إنّنا بعد ذلك نأتي ونبدّل جميع هذه المسائل التي شاهدناها إلى لغةٍ وكلام، فنعبّر عن جميع ما شاهدناه في سفرنا الطويل ببعض العبارات الكلاميّة والحرفيّة، هل التفتّم إلى المعنى المقصود؟ فذاك "الجبل" الذي شاهدناه، نبدّله إلى ثلاثة حروف: (ج) و (ب) و (ل)، إنّ هذه الحروف تكتسب واقعيّتها من الواقع الخارجي، فهي بمثابة الوكيل والنائب الذي يمثّل تلك الحقائق الخارجية التي شاهدناها وسمعناها؛ فقد سمعنا وشاهدنا ولمسنا، والآن قمنا بتبديل هذه الحقائق والوقائع إلى وُجودات لفظيّة.
كذلك الأمر بالنسبة للقرآن الكريم، فجميع الحروف الجارية على لسان النبي، كقوله صلى الله عليه وآله: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، فالـ (ب) والـ (س) والـ (م) والـ (أ) والـ(ل)... جميع هذه الحروف الجارية على لسان النبيّ، إنّما تحكي واقعية معيّنة موجودة ومتحقّقة في قلب النبي.
و من يظهر أنّ أولئك الأشخاص الذين يقولون: إنّ كلمات القرآن و ألفاظه قد نزلت على قلب النبيّ دون أن تتجسّم تلك الحقائق و الواقعيات في قلبه، لا علم لهم بحقيقة الوحي ولا معرفة لهم بذلك؛ فحقيقة الوحي التي تتنزّل على رسول الله صلّى الله عليه و آله تختلف عن هذه الألفاظ و الكلمات التي نقرؤها نحن و نسمعها، تختلف معها كما بين السماء إلى الأرض، فالقرآن الذي نتلوه ونقرؤه هو مجرّد حروف و كلمات فقط لا غير، فهو لا يشتمل على الجبل الخارجي وليس فيه صحراء، ولا يشتمل على سماء، وليس فيه بحرٌ، ولا جبرائيل ولا ميكائيل، وهو لا يشتمل على العوالم الربوبية، فجميع هذه الكلمات الواردة في القرآن عبارة عن ممثّلٍ ونائبٍ معرّفٍ لتلك الحقائق النازلة على قلب رسول الله، ورسول الله إنّما يقوم ببيان هذه الحقائق الموجودة والواقعية فيبيّنها لي ولكم عن طريق هذه الألفاظ و الكلمات. نعم هناك فرق بين هذه الألفاظ الخاصّة وبين سائر الألفاظ التي تحدّث بها رسول الله!
يعني: صحيح أنّ النبيّ في الموارد العاديّة ـ سوى القرآن ـ إنّما يحكي الواقع أيضاً؛ فهو بكلامه يخبر عن الواقع، ويبيّن المسائل الخارجية من خلال الكلمات؛ ففي وقعة مؤتة مثلاً: كان النبيّ في المدينة وكان يبيّن حوادث ومجريات واقعة مؤتة للناس، ولكننا لا نسمّي هذا الكلام : "آيات القرآن" ، بل هي كلمات عاديّة كسائر الكلمات التي يتلفّظ بها الإنسان في الليل والنهار، أو يخبر بواسطتها عن الوقائع الخارجيّة اليومية، ويبيّن أفكاره من خلالها للآخرين أثناء تحدثه معهم ومعاشرته لهم واختلاطه بهم.

    

ما هو الفرق بين القرآن الكريم و بين أحاديث الرسول صلى الله عليه و آله ؟

إنّ هذه الفكرة دقيقةٌ جداً وفيها نكات دقيقة ولطيفة جداً حيث يجدر بالإخوة والفضلاء أن يتأمّلوا بها ويبلغوا أعماقها، فما هي العلة المؤدّية للتمييز بين كلمات القرآن عن كلمات نفس رسول الله؟ مع أنّها جميعاً تحاكي الواقع الخارجي، ومع أنّ كلتاها تحاكي الحقيقة الخارجية؟
وكذلك الأمر بالنسبة لكلام العرفاء والأولياء؛ فالأفكار والحقائق التي يبيّنها العرفاء والأولياء ويذكرونها في كتبهم: أليست هذه الحالات هي حالاتهم الخاصة التي قاموا ببيانها؟! إنّ مطالبهم ومشاهداتهم هي أيضاً غير خارجة عن هذه القاعدة، فما هو الفرق إذن بين القرآن وكلمات الأولياء الإلهيين والعرفاء بالله؟
هل يكمن الفارق في كيفية صياغة الكلام وسبكه في جملة خاصّة وقالب خاصّ مثلاً؟ بحيث: يكون حرف الفاء واقعاً قبل حرف التاء مثلاً! فلا يمكن أن تكون التاء سابقة حرف الفاء؟! هل الفرق بينهما يكمن في ذلك فحسب؟!
حسناً، لو كان كذلك، فهو ليس بفارقٍ مهمٍ جداً؛ حيث أنّ ذلك يرجع إلى كيفيّة التركيب والتأليف والإخراج و(المونتاج)، وهو ما يفعله الشاعر في شعره الذي يُلقيه، فحينما يريد أن يبيّن مفهوماً معيّناً، فقد يبيّنه تارة بواسطة ثلاثة أو أربعة أسطر، أو حتّى بسطر واحد، وتارة أخرى قد يبيّنه بقصيدة شعر منظومة.
كان المرحوم الوالد يقول: "إنّ بعض أشعار جناب حافظ [2] تحتاج إلى شرح بمقدار مجلّد كامل" ، ومن جملتها مثلاً هذه القصيدة التي تبدأ بـ:

الا يا ايها الساقي ادر كأسا وناولها
                             كه عشق آسان نمود اول ولى افتاد مشكلها
به بوى نافه اى كآخر صبا زان طرّه بگاشيد
                             ز تاب جعد مشگينش چه خون افتاد در دلها
به مى سجاده رنكين كن گرت بيرمغان گويد
                             كه سالک بى خبر نبود ز راه و رسم منزلها[3]



قال حول بيت الشعر الأخير: إنّه يحتاج إلى كتاب كامل يشرحه.
حسناً، أمّا أنا لا أقدر على شرحه وبيانه، يعني: أقصى ما أستطيع بيانه هو أن أتكلّم مثلاً لمدة ساعة حول مضامينه وأبيّن ذلك للإخوة؛ ولكنّ ساعة واحدة لا تبلغ حجم كتاب كامل، ولو أردت أن أضيف أكثر فقد يصل إلى أربعين أو خمسين صفحة، ولكن هل يبلغ ذاك الحدّ الذي يفهمه ذاك العارف والولي؟! بحيث يلاحظ جميع ما ينطوي عليه من إعجاز في كلّ كلمة كلمة...
وأنا عندما كنت أفكّر بهذا الشعر في وقت من الأوقات ، قلت في نفسي: لم لا نفكّر قليلاً بهذا الشعر لنرى ما الذي يخطر على البال، فرأيت أنّه كلما فكرت فإنّ آفاقاً جديدةً تنفتح وبالتالي لن يستطيع الإنسان أن يحصر المسألة، وكلّما غاص وتعمّق أكثر فإنّه يجد أبواباً جديدة أمامه ولا يصل إلى حدّ تنتهي معه المعاني بحيث يمكننا أن ننسب ذلك إلى حافظ فندّعي بأنّ هذا هو مراده النهائي، فأنت ما إن تبلغ إلى معنىً ما تجد أنّ هناك معنى آخر أعلى من ذلك، وترى نفسك أمام أفق جديد، وما إن تدخل في أفقٍ ما، حتى ترى أنّ هناك مسألة أخرى أيضا وهكذا...، وفي النهاية توقّفت عن البحث و التفكير و التأمّل!
إنّ المقدار الذي يمكن أن أقوله: إنّ حافظ بيّن ووضّح مراتب قوسي الصعود والنزول بتمامها في هذا السطر من الشعر، وهي تشتمل على بيان حقيقة مجيئنا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾، وكيفيّة هبوطنا من الجنّة، ثمّ العيش في هذه الدنيا وأكل الحنطة، والابتعاد عن ذاك الهدف، والفراق، وألم الفراق، والهجران، ثمّ بروز العشق بغية الوصال، وآثاره ومستلزماته، وما يستتبع ذلك من تحمّل المشاقّ والصدمات في هذا الطريق، وكل ما يحصل في هذا الطريق...، جميع ذلك كان قد أخفاه في هذا البيت من الشعر.
حسناً! من الذي يستطيع أن يفهم ذلك؟!
إنّ آلاف الآلاف من الأشخاص يأتون ويقرؤون شعر حافظ، ويضمّون إليه الموسيقى، ويقرؤونه مع الدف والوَتَر! إنّهم لا يفهمون أنّ حافظ مشمئز منهم! وأنّه يلعنهم إلى يوم القيامة، حيث أنّهم يلوّثون هذه الأشعار التي ينبغي أن تقدّم للناس مع الرَوْح والريحان، فهم يأتون ويلوثونها ويقرؤونها بالوتر والطنبور!
عزيزي! أشعار الطبل والطنبور كثيرة، استفيدوا من تلك الهرطقات التي تناسب ذلك، فلماذا يأتي الإنسان إلى أشعار حافظ ليلوّثها بالآلات الموسيقية ويخرّبها ويميتها ويشوّهها؟! لماذا يقوم الناس بذلك؟!
يمكن للإنسان أن يقرأ هذه الأشعار بأفضل صوت وأحسن أداء، فما الإشكال بذلك؟ فكلّما كان الصوت أحسن كان أفضل، وهي لا تحتاج إلى ضميمة شيء آخر إليها. وفي الواقع، كان الأولياء يرغبون في الاستماع إلى الأصوات الجميلة، ويرون أنّ للكثير منها تأثيراً على الإنسان.
وعلى كل حال، نترك البحث في هذه المسألة إلى وقت آخر وفرصة أخرى إن شاء الله وعندها سنتناول المضارّ المترتّبة على الإنسان إذا استمع للصوت الجميل الذي يكون مقترناً بالموسيقى.
هذا الشعر يتضمّن معاني عالية، وهذا الشاعر قد جمع هذه المفاهيم الرائعة وصاغها وبيّنها في شعرٍ عذب، فهل يمكن القول: إنّ القرآن أيضاً هو من قبيل هذه الأشعار، إلاّ أنّ القرآن في مرتبة أعلى منه؟ كلاّ، ليس الأمر كذلك.
ألا يمكننا من الناحية الشرعيّة أن نلمس كلمات وحروف هذه الأشعار التي وردتنا عن الأولياء بدون وضوء؟
طبعاً يمكننا ذلك ـ وإن كان احترام كلام الأولياء والتأدّب معهم ومعاملتهم بأخلاق حسنة يقتضي خلاف ذلك، فكلام الأولياء الإلهيين محترم ومعزّز، وعلى الإنسان أن يتعامل معها بطهارة، ولكن من وجهة نظر الحكم الشرعي الظاهري لا يمكننا أن نلمس القرآن بدون وضوء، بينما يمكننا ذلك مع الأشعار. وهذا أمر طبيعي وحكم ظاهري ـ فلماذا لا يمكننا أن نلمس كلام القرآن بدون وضوء؟ فهل هذا حكم ظاهري؟ أليس له منشأ وعلّة؟

    

الذي قام بصياغة القرآن هو الله سبحانه وتعالى

أم أنّ حقيقة المسألة هي: أنّ هذه الحقائق التي نزلت الآن وتمّ نظمها على هيئة هذه الألفاظ القرآنية؛ لم يكن جبرائيل هو الذي صاغها و رتّبها أو قام بنظمِها كما يفعل الشاعر، لا أبداً، ولم يقم ميكائيل بعمل (مونتاج) لها، ولا عزرائيل، ولا جبرائيل، ولا حتى النبيّ نفسه!
إنّ الذي صاغ هذه الكلمات ورتّبها بهذا الترتيب هو ذات الباري تعالى بنفسه، نفس تلك الذات هي التي أخرجت تلك الحقائق من العوالم الربوبيّة عبر أسمائه وصفاته الكليّة إلى منصّة الظهور والتحقّق وعالم التكوين. وبما أنّ تلك الحقائق تشمل جميع مراتب عالم الوجود، فقد نزلت الكلمات و الحروف على قلب رسول الله بهذه الكيفيّة؛ دون زيادة كلمة أو نقصان كلمة واحدة، بحيث أنّنا لو أردنا أن نبدّل كلمة مكان كلمة لاختل الأمر كلّه؛ فإذا فرضنا مثلاً أنّنا غيّرنا عبارة: ﴿والله عليم حكيم﴾[4] في الآية بعبارة: هو العليم الحكيم، فسوف يختلّ النظام بأجمعه. وكذا في الآية التي تقول ﴿إنّه كان بعباده خبيراً بصيراً﴾[5]، لو قلنا بدلاً من ذلك: بصيراً خبيراً؛ باعتبار أنّ المراد بالخبير هو أنّه تعالى لديه خبر واطلاع، وبالبصير أن لديه بصر، فإنّه في هذه الحالة تختلّ الأمور جميعاً، وكذا إذا قلنا في آية ﴿المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات﴾[6]: المنافقات والمنافقين، أو أن نأتي بالمشركين والمشركات أوّلاً ... كلّ ذلك يسبّب الخلل.
إنّ المسألة ليست من هذا القبيل أبداً، بل إنّ كل آية من آيات القرآن تنطبق مع تلك الحقائق التي تحكي عنها وفق نظام خاص، و الشخص الذي يستطيع أن يدرك هذا النظام هو من يطّلع على تلك الحقائق، ومن يطّلع على تلك الحقائق ويريد أن يقرأ آية من القرآن مثلاً، فسوف يلتزم حتماً بأن يأتي بالفاء أولاً ثم بالتاء، أو أن يأتي بالمنافقين أولاً ثم بالمشركين، ولن يمكنه أن يقول خلاف ذلك؛ بأن يقدّم المشركين على المنافقين.

    

كيفية صياغة الوحي ووضعه في قالب الألفاظ

التفتّوا إلى هذا الأمر! لا يمكنه أن يقول ﴿خبيراً﴾ قبل ﴿بصيراً﴾، أو أن يقول أولاً ﴿حكيم﴾ ثم يقول بعدها ﴿عليم﴾...
قد يقال: إنّه لا فرق بينهما! مثل أن نقول: اذهب إلى المطبخ وائتني بإناء الماء وإناء اللبن، حيث بمقدورنا أن نقول أيضاً: اذهب وائتني بإناء اللبن وإناء الماء، فلا فرق بين الكلامين؛ لأن المطلوب أمران: الماء واللبن، سواء كان اللبن أولاً أم الماء أولاً، ولا فرق في ذلك. لكن أحياناً أريد أن أبيّن نكتة أخرى في المقام، وهي أنّي أريد أن أقول يجب عليك أن تقوم بشيئين: أولاً عليك أن تشرب الماء، ثم تشرب بعد الماء اللبن، فإذا شربت اللبن قبل الماء سيؤدّي إلى تضرّر معدتك، وإلى زيادة (الأسيد) والحموضة في المعدة، وبالتالي إلى أذيّة المعدة بذلك، لذا عليك أن تشرب الماء أولاً؛ لكي تخلو المعدة من (الأسيد)، ثم تشرب اللبن بعدها، وعند ذلك لن تتأثّر معدتك بأي سوء أو أذى. فهل يمكننا القول هنا بإمكانيّة الشرب من أي منهما أولاً؟ كلا ليس لنا ذلك، بل لا بد من تقديم ما يستحقّ التقديم، بالطريقة المحددة و بشكل دقيق. وكذا الحال إذا وصف الطبيب عدّة أدوية للمريض، وأوصاه مثلاً أن يتناول هذا الدواء أولاً، ثم الثاني وبعده الدواء الثالث، فإذا فرضنا أنّ هذا المريض لم يلتزم بذلك وقال: لقد وصف الطبيب هذه الأدوية الثلاثة لي، ولا ضرر في أن أتناول في البداية ما أمرني بتناوله أخيراً! كما إذا فرضنا أنّ المرض كان في العين، ووصف له الطبيب أن يقطر من "قطرة" معيّنة في عينه أولاً، ثم بعد عدّة ساعات يضع من قطرة أُخرى، وكان التغيير في ذلك موجباً للضرر والخطر.
إنّ الأمر كذلك تماماً في الحقائق القرآنيّة، فتلك الحقائق الموجودة في العالم الخارجي هي عين الحقائق الموجودة في مراتب العالم الربوبي، وقد نزل القرآن على قلب النبي طبقاً لتلك المراتب، بحيث لا يمكن للرسول أن يبدّل تلك المراتب، وليس ذلك من ناحية أن هذا التبديل حرام شرعاً، وأنّ عليه ألاّ يغيّره نظراً لوجود حكم شرعي يمنعه من ذلك، كلا! ولا من باب أنّه إذا غيّر ترتيب الآيات القرآنيّة فسيكون قد عمل ما يخالف رضا الله سبحانه، فهو لا يزيد أو ينقص كلاماً من نفسه لهذه العلّة. كلاّ! ليس الأمر بسبب ذلك؛ فهذه الأمور إنّما نحتاج إليها نحن وتقال في حقّنا نحن، وكذلك هو لا يمتنع عن تغيير مكان الآيات كي لا يقع الناس في الاشتباه والهلاك مثلاً، وبالتالي فهو مجبور على الالتزام بترتيب الآيات كما نزلت كي لا يحصل هذا الانحراف بالنسبة للناس، فكلّ هذه الأسباب يجب علينا نحن أن نلاحظها ونطبّقها، وليست من شأن النبي صلى الله عليه و آله.

    

نفس رسول الله تعكس الحقائق الواقعية بشكل تام

إنّ نفس رسول الله نفسٌ مطهّرة ومعصومة، والنفس المطهّرة والمعصومة منطبقة ـ بسبب العصمة والطهارة ـ على الحقائق الخارجيّة، ومثل تلك النفس تأخذ الأمور الواقعية و الحقائق الخارجيّة كما هي ثمّ تحفظها في النفس، ولا بدّ لها في مقام بيانها من أن تبيّن تلك الحقائق الخارجيّة كما هي تماماً.
فأنا الآن أرى مقابلي ثلاثة أعمدة، وهي مختلفة فيما بينها، فما أراه هو عين الواقع الخارجيّ، وما أشاهده على هذا الحائط من اللوحات والصور والشعارات هو في الحقيقة عين الواقع الخارجي، و أنا لا أستطيع أن أغيّر فيه شيئا؛ لأنّي الآن جالس أمام هذه الصور المنصوبة على الحائط والتي يحتوي كل منها على خصوصيّات تختصّ بها، ولا أستطيع أن أوصل يدي إليها لتغييرها نعم، عندما أنزل عن المنبر يمكنني ذلك، لكني ما دمت جالساً في مكاني لا يمكنني أن أغيّر في هذه الصور وبناءً عليه، فما يستقرّ في ذهني من صور عبارة عن هذه الصور وهذه الساعة مثلاً، والأشياء التي أراها أمامي بالكيفيّة الموجودة تماماً في عالم الخارج، فإذا أردت أن أقدّم بياناً لهذه المسائل الخارجيّة ولهذه الوقائع، فليس لي إلاّ أن أقول: بأنّ أمامي أولاً لوحة تحتوي على صورة كل القرآن، ثم بعدها يوجد ساعة، ثم بعدها صورة، ثم بعدها مقطوعة شعريّة، ثم بعدها الآية الفلانيّة، وهكذا أقوم بتوضيح الموجود أمامي واحداً واحداً حتّى يكون كلامي منطبقاً مع تلك الواقعيّة الخارجيّة. فإذا غيّرت مكان هذه الأمور عند إخباري، سأكون خائناً، وإذا غيّرت فيها فهذا معناه أن نفسي ليست نفساً مطهّرة، بل هي نفس خائنة وماكرة ونفس منافقة، فبدلاً من أن أقول بأنّ الموجود أوّلاً هو اللوحة، أذكر أنّ الموجود أوّلاً هو الساعة، مع أنّ الساعة ليست هي الأولى بل اللوحة، وهذه اللوحة تحتوي على هذه الخصوصيّات، كما أنّني إذا غيّرت هذه الواقعيّة الخارجيّة في إخباري وغيّرت ترتيبها، فإنّكم سوف تلتفتون إلى ذلك، لأنكم ترون الأمور على حقيقتها، فإذا كنتم ترون أني أكذب في قولي: بأنّ اللوحة أوّلاً ثم الساعة، ستعرفون حقيقة نفسي وأنّها ليست نفساً مطهّرة، بل هي نفس ملوّثة ونفس مريضة، ونفسٌ تعمل على تغيير الحقائق وتغيير الواقعيّات. أمّا لو فرضنا أن شخصاً لم يشاهد ذلك، فكيف له أن يعرف أنّ نفسي ملوّثة؟ فلو كان بيننا شخص أعمى، فكيف سيمكنه أن يدرك بأنّ نفسي نفس ملوّثة ومريضة؟ إذ قد يظنّ أنّ نفسي طاهرة وأنّي أنقل الواقعيّات كما هي، مع أنّ نفسي في الواقع نفس ملوّثة.
فلنرتقي من هذه الدرجة إلی درجة أعلی:
لنفرض أنّ عندنا شخصٌ ليست له نفس خائنة، فنفسه ليست ملوّثة ولکنّه ينظر فيقول في نفسه: حسناً، لا أحد يراني ولذا أستطيع أن أبدّل المواقع كيف أشاء، أستطيع أن أقوم بهذه الأعمال، يقول في نفسه: هل أفعل ذلك ؟ أم لا ؟ إنّ الشخص الجالس هنا شخص أعمی، فأيّ فرق عنده بين أن أقول له: إنّ الإطار هو الموجود أوّلاً ثمّ الساعة أم بالعكس؟ سأقول إنّ الساعة هي الأولى ثمّ الإطار، و لا بأس بذلك فكلاهما موجود.
إنّ هذا الأعمى يقول: اشرح لي بالترتيب، لكنه لا يعلم ما هو الواقع! وحيث أنّه فاقد للبصر فهو لن يكشف أمري و يفضحني، فأنا في سعةٍ من أمري ومبسوط اليد في ذلك!
و عليه سوف أقول له: يا سيدي إنّ الساعة موجودة أوّلاً ثم الإطار ثم الصورة.
واضح؟ بعد ذلک أحدّث نفسي: "كلا! صحيح أنّه أعمی، ولکنّ الباطل باطل! ولو قلت له ذلك فسأكون قد شرحت له الأمر علی خلاف الواقع، لماذا أقوم بهذا العمل؟! لا، هذا غير جيّد"، ثم أبيّن الأمر للرجل الأعمى كما هو واقعاً.
أنا هنا لم أرتکب خيانة، و لکن يبقی أن نفسي أيضاً ليست نفساً مطهّرةً لأن هذه النيّة السيّئة أتت أوّلاً إلی ذهني، ولکنّي صحّحتها لاحقاً! نيّة المعصية أتت و لکنّي رددتها!
و على هذا المنوال مثلاً: أريد أن أقوم بالحساب مع صديقي الذي كلّفني بمسألة ما، مثلاً قال لي: اذهب و قم بالعمل الفلاني، و حيث أنّه لا يعلم قيمة هذا العمل أو أجرته الواقعية، ولا يعلم کم سيکلّفه؟ سأقول له إنّ قيمة هذا العمل الذي أديته: مليون تومان، و الواقع أنّ قيمته الحقيقيّة: خمسون ألف تومان فقط، ولكن كونه لا يعلم بالأمر، سأقول: إنّه کلّفني مليوناً! وهو سيقوم حتماً بدفع المليون لي، بل إنّه سيعطيني ما أطلبه منه عن طيب نفس، لكن بعد ذلك أحدّث نفسي وأقول: لا، هذا العمل غير جيّد، صحيح أنّه لن ينتبه إلى الحقيقة، بل ربما لن يلتفت للأمر إلی آخر عمره، ولکن هل هذه هي الرفقة؟! هل ما قمت به من جهد يستحقّ هذا المبلغ؟! فإذا لم يكن هو مطلعاً علی هذه الأمور، فهل الله غير مطلع أيضاً؟! وهل الملائکة الجالسة عن يميني و شمالي لا علم لها أيضاً؟! ألا يعلمون بحقيقة المسألة؟!
إنّ هذا الشخص يأتي فكره تارةً إلى هذا الجانب و تارة إلى ذلك الجانب.
التفتوا! إنّ هذا الأمر هو ما يسمى بالرياضة! هذه هي الرياضة التي ذكرت بأنّها عبارة عن الحرکة و التغيير. فهذه المعالجة يُسمّونها رياضة، الرياضة هي التي تكون في الذهن، والتي تعالج النفس، وتعالج الخيالات والخواطر و الأفكار التي تعرض للإنسان، فيواجهها ويردّها و يدفعها.
افرضوا أنّه في مثالنا السابق أنّ عليَّ قرضاً بخمسمائة ألف تومان. بعد ذلك، عندما آتي لأتحاسب مع صديقي على العمل الذي طلبه مني وأنجزته له، أقول في نفسي: إنّني مديون ، و من جهة أخرى أنا لم أحدّد المبلغ المطلوب منه مقابل العمل منذ البداية ولم نتّفق على شيء... انظروا هذه الدوافع هي التي تأتي و تجرّ النفس نحو الجهة التي تميل لها و ترغب بها... فأقول لنفسي: حسناً، لو أنّنا اتّفقنا على قيمة محدّدة منذ البداية، لکان أخذ هذا المبلغ الكبير تعسّفاً وبغير حق؛ فلو أنّ الاتفاق كان بيننا منذ البداية أن تكون الأجرة خمسين ألف تومان لوجب عليّ أن آخذ خمسين ألف تومان لا أكثر، و لذا فأنا أقوم بالعمل أولاً وأدفع تكاليفه وبعد ذلك يکون تعيين الأجر والقيمة بيدي أيضًا، وقد وافق صاحبي على ذلك وقال: حتى لو دفعت عشرة ملايين فسأکون راضياً.
بعد ذلك أراجع نفسي قائلاً: حسناً! هل هذا العمل الذي أقوم به صحيح في الواقع؟ فكوني مديوناً هو شأن آخر، و ما ذنب هذا الشخص؟ ما هو الذنب الذي ارتکبه حتی آخذ منه هذا المقدار من المال؟ إذا كنت أنا مديوناً، فهل يجب أن يتضرّر صديقي من قرضي؟ أم أنّ الأمر مختلف، فالقرض له شأنه الخاص، و الاتفاق مع هذا الشخص له شأنه الخاص، ولا ارتباط له بالقرض، ويجب أن يوضع الحقّ في موضعه الخاص. فکل أمر يجب أن يكون في مکانه الخاص وضمن حدوده.
هكذا تكون الرياضة، حيث يقوم الإنسان بالنظر إلى المعطيات التي لديه والدوافع التي يميل إليها، وبعد ذلك يدرس الأمور ويقلّبها رأساً على عقب، و في نهاية الأمر يقرّر و يقول لصاحبه: لا يا عزيزي، نحن لا نبيع الدِين بالدنيا، تکفيني تلك الخمسون ألف تومان، يا عزيزي: قيمة جهودي هي بهذا المقدار فقط، و مقدار العمل كان بهذا المقدار لا أكثر، أعطني خمسين ألف تومان، ونسأل الله أن يبارك لنا فيها، فأنا لن آخذ أکثر من هذا، و لا يحقّ لي أکثر من هذا. فيجيبه صاحبه: أيها المحترم حتى لو طلبت عشرة ملايين فأنا سأكون راضياً بذلك، فيردّ قائلاً: عندما تكون راضياً أن تقدّم المبلغ من جيبك دون مقابل، فعندها لا مانع عندي أبداً، وسأقول لك سمعاً و طاعةً وسآخذها وأضعها فوق رأسي! أمّا عندما يكون حقي بـ "هذا المقدار"، عندها لن آخذ أكثر من حقي، و لا أرضى أن آخذ أكثر منه.

    

نموذج للنفس التي لم تبلغ مرحلة الطهارة: بعض أشكال الرشوة

يقول البعض: في بعض الأحيان و أثناء قيامنا بوظيفتنا نتعرّض لبعض المواقف من قبيل: أن يذهب الإنسان لشراء شيء كلّفه أحد الأشخاص بشرائه فيقول له البائع: خذ هذا المبلغ من مالي الخاص.
يا للعجب! يعني: إذا قال ذلك الإنسان المکلف بالشراء لذلك البائع أو لصاحب المعمل الذي يريد أن يشتري منه و هذا الإعطاء يقوم به الکثير من الناس : "حتى لو لم تعطني فلساً واحداً فإني سآتي في المرة القادمة و أشتري منك" ، فهل سيعطيه شيئاً في هذه الحالة أم لا؟ إذا رأى أنّه لم يعطه فسيعلم أن ذلك الكلام الذي قاله هذا البائع ابتداءً كان خداعاً، و أما إذا قال: لا يا عزيزي أنا أعطيك هذا سواء أردت أن تشتري من عندي أم لا، فأنا وجدتك إنساناً جيّداً، و قد أعجبتني فلذا سأعطيك هذا المبلغ؛ فهذا حلال و ذلك الأوّل حرام، هذا حلال و ذلك حرام و رشوة.. هذه هدية، وذلك المال سحت؛ لأنّه إن لم يُعطِ فلن تباع سلعته، وإن لم يُعط فلن تحلّ مشکلته، وإن لم يعط فلن يوقّع العقد.
في الواقع ما هي حقيقة کلّ هذه الأمور؟ حقيقتها أنّها کلّها حرام و کلها نار! نيران يبتلعها الأفراد، و يشاهد آثارها الإنسان.
کان أحد معارفنا في زمن الشاه من أصحاب المناصب، وفي أحد الأيام ذهب إلى المرحوم الأنصاري رضوان الله عليه و قال له: يا سيدي، يحصل في بعض الأحيان أنّ أحد الأشخاص أو الشرکات أو غيرها يعطوننا هبةً من تلقاء أنفسهم، فأجابه قائلاً: "لو أنّك جلست في منزلك، هل کانت تلك الشرکة تقدّم لك تلك الهبة؟ هل يعطيك ذلك البائع هبة؟ إذا کنت جالساً في بيتك هل كانوا سيرسلونها إلى بيتك؟ أم لا ، بل هو إنّما يعطيك هذا المبلغ لأنك ذهبت لتشتري من عنده و هو يريدك أن تعود مرّة ثانية و ثالثة. إذن هذه في الحقيقة نوع من أنواع الرشوة! و مراده منها: أن تأتي غداً إلی نفس هذا المكان وأن لا تذهب إلی مکان آخر".
ما هذا؟ إنّه حرام.
هذا الأمر لا مزاح فيه، إنّ القضية والمسألة تکمن هنا، حيث أنّ الكثير من الحرام صار يعتبر حلالاً ، و هذا قد جعل الأمور تؤول إلى ما ترونه.
حسناً، نحن نسأل هنا: في هذه الحالة التي لم تقم النفس فيها بالخيانة، بالرغم من ذلك، هل يمكن لنا أن نقول عن هذه النفس إنّها نفس مطهّرة؟ هل يمكن أن نقول ذلك؟! بالطبع لا يمكن أن نقول ذلك.
إنّما هذه النفس هي النفس التي ما زالت في طور الإصلاح، نعم لقد قام هذا الشخص بعمل جيّد، وقد وفّقه الله إلى هذه الرتبة من السعادة وهذا المستوى من الإصلاح، و هذا سيؤدي به إلى أن يترقى درجةً ويطوي وادياً و هو سوف يشاهد هذه الحقيقة في نفسه؛ فحينما يقوم الإنسان بهذا العمل في مثل هذه الموارد، سوف يشاهد أنّ حاله قد تغيّرت فجأة، فحالته الآن تختلف عن السابق، وهذه الحالة الجديدة من آثار ذاك العمل، هذه هي الرياضة و التي بواسطتها وصل و أصبح موفّقاً.
أمّا لو صار يتعلّل ويتذرّع بكذا وكذا، ويقول: هذا لا إشكال فيه، ويضع المال في جيبه...، فسوف يحسّ بتغيّر في نفسه، ويشعر بثقل في روحه ونفسه، أليس كذلك؟!
إن شاء الله لم يحصل هذا لأحد من الإخوة حتى الآن، و إن شاء الله لا يحصل كذلك من الآن فصاعداً، لماذا؟ لأنّ جميع ذلك خسارة على النفس، وهو من سوء التوفيق وعلامات السقوط والخسران، فهي بحسب الظاهر أمور جذّابة، ولو لم تكن جذاّبة لما لهث الناس وراءها، فظاهرها جذّاب، ولكن ماذا عن باطنها؟ باطنها الكدورة، باطنها الضيق، باطنها وقوع المشاكل في الأمور.
و أمّا لو تجاوز الإنسان هذا الموقف ، فإنّه سيرى أنّ الأمر قد تغيّر، و أنّ حالة من الانبساط قد حصلت له، و أنّه صار يستطيع أن يتنفّس، فهو يحسّ بالصفاء.. يحسّ بالانبساط، نعم لقد تقدّم خطوة إلى الأمام. هذه هي رياضة النفس، وهذا هو العبور، و الانتقال من مرتبة إلى مرتبة أخرى، أليس كذلك؟

    

مقام الأولياء الإلهيّين هو عين الطهارة التي بواسطتها يتنزّل الوحي

حسناً أمّا الآن، علينا أن نرى ما هو المقام الأرفع والأعلى من ذلك؟
الأحسن من ذلك: هو ذاك المقام الخاصّ بالأولياء الإلهيين، وهو أنّهم لا يستطيعون أصلاً أن يقولوا ما كان خلافاً للحقّ، يعني هم أصلاً لا يخطر في مخيّلتهم حتّى للحظة واحدة أن يغيّروا مكان هذه الساعة والإطار.. أصلاً لا يخطر ذلك في بالهم. لماذا؟ لأنّهم وصلوا إلى مقام الطهارة؛ فماذا يعني الوصول إلى مقام الطهارة؟
دقّقوا كيف سأضرب لكم هذا المثل: كما أنّ هذه اللوحة معلّقة على الحائط أوّلاً ثم بعدها الساعة. كذلك هي في قلب ولي الله، أوّلاً اللوحة ثم الساعة، نفس هذه اللوحة و هذه الساعة يأتيان على لسانه، فيتبدلان إلى كلمات، إذن هو لا يجلس فيقول في نفسه: "ماذا أذكر أوّلاً، ثم ماذا؟". وإنّما تتبدّل الواقعيّة الخارجيّة في نفسه إلى كلمات من دون أن يفكّر بأنّه: "هل الأصلح أن أذكر هذا أولاً، أم ذاك؟" ، ولا يخطر على باله أن يرفع الإطار وينزل الساعة، أو يزيد أو ينقص...، أو أن يتلفّظ باسم هذا قبل ذاك لاشتمال ذلك على مصلحة معيّنة! لا يخطر شيء من ذلك على باله. إنما تخطر هذه الأفكار على بالنا نحن، نحن الذين نسعى لإصلاح أنفسنا، نحن الذين نقوم بتربية أنفسنا، و هذا التفكير بالنسبة لنا أمر جيّد و صحيح، ولكنّه مختصّ بنا وبمرتبتنا، و هذه القاعدة إنّما تسري في مجالها الخاصّ بها لا في غيرها من المراتب و الدوائر.
[إنّ مرتبة رسول الله صلّى الله عليه و آله هي مرتبة الطهارة المطلقة،] وفي مرتبة الطهارة يختلف الأمر، و هذه القاعدة لا تسري هناك ، و ذلك أنّ مقام الطهارة يعني: انطباق النفس مع الواقع، ومقام الطهارة يعني: انطباق النفس مع اللوح المحفوظ، وانطباق النفس مع الحقائق الخارجية، واتحادها مع الأسماء الكلية والصفات الكلية، فهناك لا يوجد تفكير أصلاً! إذ بأيّ شيء يفكر؟! و لماذا يفكّر ويحلّل؟! إنّ الواقع الخارجي برمّته أصبح موجوداً في نفسه المباركة، و يجب على رسول الله أن يبيّن للأشخاص الجالسين أمامه هذه الحقائق الخارجية، إنّ نفس أولئك الأفراد الجالسين أمام رسول الله هم أيضاً جزء من هذا الواقع الخارجي، وكذلك أفكار هؤلاء الناس داخلة ضمن الوقائع الخارجية أيضاً، أليس كذلك؟ حتماً هي كذلك، فقد نتصوّر أنّ الخارج مختصّ فقط بالبدن، كلاّ، بل إنّ نفس الإنسان وجسم الإنسان هما أحد الوقائع الخارجيّة أيضاً، والأفكار التي تدور الآن في الرأس هل هي ضمن الوقائع الخارجية أيضاً أم لا؟! بالطبع هي كذلك.
وكذلك ما هو الأصلح لهذا الشخص، وواجب ذلك الشخص و تكليفه، أليس كلّ ذلك جزء من الوقائع الخارجية أم لا؟! وهل الأمر الذي يجب عليه أن يقوم به جزءٌ من الواقع الخارجي، أم لا؟ أليس العمل الذي يجب أن يقوم به غداً جزء من الواقع الخارجي، أم لا؟ دققوا في هذه المسألة! فنحن نقترب من استنتاج القاعدة العامة.
حينئذٍ، هل يمكن أن يتحقّق شيء في نفس رسول الله ولا يتحقّق بعينه في أذهان الآخرين؟! هل يمكن أن يأتي شيء واحد إلى نفس رسول الله، وأمّا ما يرتبط بالمستقبل بعد خمس سنوات لا يأتي؟! أم أنّ الأمر ليس كذلك حيث يجب أن تأتي جميعها إلى نفسه؟!
حسناً، ثمّ عندما تأتي الواقعيّات كافةً ومع بعضها البعض إلى نفس الرسول، فما معنى أن يفكّر النبيّ بتقديم المسائل أو تأخيرها؟! أصلاً هل يمكن حصول ذلك؟! نحن لا نتكلّم عن مسألة الإرادة والاختيار وأمثال ذلك. وإنّما هل يمكن أصلاً أن يقدّم سورة الحمد قبل سورة قل هو الله أحد في إلقائه للقرآن على الناس؟! فما جاء أوّلاً ينبغي أن يأتي أوّلاً، لماذا؟ لأنّ تنزل الحقائق الواقعية يقتضي أن تتقدّم هذه السورة على تلك، وأمّا لو افترضنا أنّه بدّل هذه مكان تلك، عندها ستتداخل كل القضايا ببعضها و تفسد، و ستزول كل الواقعيّات من الوجود. ولكنّ الواقع هو أنّ رسول الله معصوم، والمعصوم: هو الشخص الذي يمكنه القيام بنقل الواقع كما هو فعلاً، بحيث يمكنه أن يؤدّي الحقيقة الواقعية ونفس الأمر من خلال الكلمات والحروف، فهو يمتلك هذه القابلية، دون زيادة أبداً، يعني مَرتَبة تجلّي الوقائع على نفس رسول الله تقتضي أن تظهر حقيقة التجلّي بهذا الشكل.
ضمن أحد كتب المرحوم السيّد العلامة، وهو الكتاب المرتبط بالمرحوم العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه (الشمس الساطعة)[7]، رأيت الموضوع التالي؛ حيث كان السيد العلامة الطهراني يسأل المرحوم العلامة الطباطبائي في أحد الأيام: ما هو السبب في أنّه حينما كانت تنزل آية على قلب رسول الله، كان رسول الله يقرؤها بعينها تماماً كما نزلت عليه، حتى لو انقضى على نزول الآية عشر سنوات مثلاً، ولم يكن يقول: "نسيت! لأنّ هذه الآية قد نزلت مثلاً في ذاك الزمان"، أو أنْ يبيّنها مثلاً مع شيء من التأنّي والرويّة، أو أن يشتبه في كيفيّة البيان؛ فلم يُر اشتباه أصلاً في جميع حياة النبيّ، فإذا فرضنا مثلاً أنّ إحدى الآيات نزلت على النبي منذ ثلاثة وعشرين سنة عند شروع نزول الوحي في مكة، وأراد أن يقرأها قبيل ارتحاله وذلك في السنة العاشرة من الهجرة فإنّنا سنجد بأنّه كان متسلّطاً عليها ومستحضراً للآيات القرآنية في تلك الأيام التي تُوفّي فيها تماماً كحاله حينما كانت تنزل عليه بلا أدنى تفاوت. فالمرحوم العلامة يسأل المرحوم العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه: ما هو السبب في ذلك؟ بالطبع هو كان يعرف، ولا ندري ما هي المناسبة التي جعلته يسأل والجواب الذي تفضّل به العلامة الطباطبائي وذلك حسب ذاكرتي كان كالتالي: كانت نفس رسول الله حينما تأتي آيات الوحي، تنتقش فيها، وتثبت وتبقى، ولم يكن يطرأ عليها أيّ تبدّل أو تحوّل.
ومن الطبيعي أنّه حينما تحصل نفس الإنسان على هكذا حالة، فسوف لن تتبدّل المعلومات في نفسه مع مرور الزمان، وسوف تبقى الحقائق منتقشة في نفسه كما كانت أوّل ثبوتها، وسوف يتمكّن من بيانها كما كانت عليه في السابق.
كنتُ ذات مرّة أطالع وأبحث، ففكّرت بهذه المسألة، فهل الذي تفضل به العلامة الطباطبائي هو تمام المِلاك؟ أم أنّه مضافاً إلى ذلك هناك مجال للكلام في زوايا أخرى؟ الواقع أنّه يمكننا في هذا الموضع أن نقول إنّه يوجد أفراد لديهم حافظة قوية جداً، و تنطبق عليهم هذه الصفة أيضاً، فقد حدّثنا التاريخ عن أفراد امتلكوا حافظة قوية جداً جداً، وأن ذاكرتهم كانت قويّة، من قبيل ما ينقل عن أبي علي (ابن سينا) حيث كانت حافظته عجيبة و غريبة، فعندما أنهى كتابة كتاب القانون في الطب، طلب منه أحد الحكام في إحدى الأسفار التي سافر فيها إلى المحافظات و الولايات – أن يدرّس الطب لمجموعة من الأفراد، وطلب منه أن يختار كتاباً لذلك، فقال: "لقد كتبت كتاب (القانون) في الطب، فأرسلوا من يحضره". ولكنّه وقبل أن يصل الكتاب إلى يديه شرع بتدريس ذلك الكتاب (أي القانون)، وكان ذلك لمدة شهر تقريباً؛ فلمّا وصل الكتاب إلى يديه، رأى التلاميذ عندما طابقوا بين الدروس التي أملاها عليهم وبين الكتاب عدم وجود أيّ اختلاف، حتى بحرف واحد!
إنّ ما ينقل عن الحافظة العجيبة والغريبة لأبي علي [ابن سينا] كانت على هذه الشاكلة، وأبو علي لم يكن عاديّاً من ناحية الخصوصيّات الظاهريّة و الخصوصيّات النفسيّة، فحتّى سمعه لم يكن عاديّاً، و كذلك عينه لم تكن عاديّةً، وكذلك حافظته لم تكن عاديّةً أيضاً، والحاصل أنه يوجد مثل هؤلاء الأفراد، أو حتى يمكن أن يكونوا أكثر منه.
نعم، قد يكون من الممكن توجيه هذا الموضوع بهذا الشكل.
ثم بعد ذلك، خطر في ذهني أمر وقلت ربما لم تُطرح هذه المسألة حتى الآن، لا شكّ بأنّها كانت موجودة عندهم ولكنّها لم تُطرح، وإلا فكل هذه النكات و المواضيع قد تعلّمناها من هؤلاء العظماء.
وتلك النقطة هي: أنّ الأمر لم يكن فقط كما قيل؛ بأنّ نفس الآية عندما تستقر في قلب النبي فإنها لا تزول، لا ليس كذلك فقط. بالطّبع هذا الأمر كان موجوداً ولكن هناك أمر أرقى من ذلك، وهو: أنّ تلك الحقائق التي كانت تحكي عنها الآيات، إنّما كانت مستقرّة في نفس النبي. فهل يمكننا حينئذٍ أن نتصوّر حصول تبدّل لها أو ظهور تغيّر فيها؟ كلاّ.
لأنها لم تكن حروفاً؛ فلو أنّنا نظرنا إلى نفس النبي فربّما لن نرى أيّ حرف فيها، وربّما لن نشاهد أيّ كلمة، ولكن عندما يريد حضرة النبي أن يبيّن تلك الحقائق فإنّه يقرأ تلك الآية التي نزلت قبل ثلاث و عشرين سنة بعينها، وسوف يقول نفس تلك الآية. لماذا؟ لأنّ تلك الواقعيّة الموجودة في نفسه الآن، هي نفس تلك الحقيقة الواقعية التي كانت موجودة في نفس النبي آنذاك.

    

الواقعية تنشأ من النفس القدسية لرسول الله

هل نترقى بالكلام أم لا؟ نترقى؟ تقولون: لا عيب في أن نترقى و مهما وصلنا إليه من نتيجة فلا إشكال، حسناً.
إنّ الحقيقة الأرقى هي: أنّ تلك الحقائق الخارجيّة متولّدة من "نفس النبي" ذاتها، لا أنّ تلك الوقائع جاءت ثم استقرّت في نفسه، ثمّ أشرف هو على تلك الوقائع.
لقد بيّنت سابقاً؛ أنكم عندما أتيتم من مُدنكم أو مناطقكم التي تسكنونها، جئتم إلى هنا لنيل زيارة حضرة السيّدة المعصومة سلام الله عليها. أليس كذلك؟ و عندها رأيتم بعض الأشياء؛ فقد كان خلال الطريق أشياء، حيث تقولون لي: لقد عبرنا خلال المسير الجسر الفلاني، ورأينا هناك جبلاً، و النهر الفلاني، وكان تدفّق الماء في النهر بهذا المقدار، وكان مستوى ارتفاع الماء إلى الحد الفلاني. وكنتم تشرحون ذلك كله لي. لكنّني لم أصدّقكم! وقلت: هل يمكن ذلك؟ إنّ النهر الفلاني لا يوجد فيه ماء أصلاً. عندها ماذا تفعلون؟ عندها تمسكون بيدي، وتأخذونني إلى هناك، و تقولون: انظر بنفسك.
ماذا يعني ذلك؟ يعني: بنفس الكيفية التي رأيتم بها تلك الواقعة الخارجيّة من خلال أعينكم، عليك الآن أن تأتي و ترى؛ وعندها حينما ترى ذلك، ستصبح مثلنا تماماً؛ حيث ستكون الواقعة الخارجيّة في أنفسنا جميعاً، في القلب و في النفس، صحيح؟
ولكن! نحن لم نكن من أوجد هذا النهر، نحن لم نولّد هذا الجبل، نحن لم نوجد ونخلق هذه الفلاة و الصحراء، بينما نفس رسول الله ليست كذلك، إنّ نفس رسول الله عبارة عن تلك الحقيقة الولائيّة وواسطة الفيض في مقام الواحديّة، التي هي محل ظهور الأسماء الكليّة، وهي الحقيقة التي انتزعت تلك الأسماء و أخرجتها من مقام الأحديّة، و مقام الأحديّة هو مقام "الهوهوية" ، كما يطلق على مرتبة بروز الأسماء من مقام الأحديّة: "مقام الواحديّة". إنّ نفس رسول الله هي مقام الواحديّة ذاك، و عالم الوجود أجمع إنّما يبرز و يظهر إلى الخارج من تلك النافذة لنفس رسول الله، و من تلك الجنبة النورانيّة.
و من هنا، هل يمكن لنا أن نقول حينها للشخص الذي له موقعيّة كهذه الموقعيّة بأن تلك الوقائع قد تتقدّم و قد تتأخر؟ هل لهذا الكلام معنى أصلاً؟
لقد أصبح هذا الأمر ممتنعاً عقلاً؛ لأنه هو بنفسه أخرج هذه الواقعيّة بعد تلك الواقعيّة وهذه الظاهرة بعد تلك الظاهرة وهذه الحادثة بعد تلك الحادثة، وأخرج جميع الحوادث وأظهرها من نافذة نفسه، والآن هو يبيّنها بالحروف والكلمات طبقاً لتلك الحقائق. حينها كيف يمكن لتلك الحروف أن تتعارض مع هذه الحقائق؟
هذه هي المرتبة التي يقال عنها "مقام العصمة المطلقة" و "مقام الطهارة المطلقة"، إذاً ليس مقام العصمة المطلقة و الطهارة المطلقة هو أن تكون كلماته مطابقة لتلك الواقعيّة، بل أن تكون نفس تلك النفس هي عين تلك الواقعيّة، نفس ذلك العلم هو عين تلك الواقعيّة، نفس ذلك الإدراك و الشعور هو عين تلك الواقعيّة، هذا هو مقام الطاهرة و مقام العصمة المطلقة، هذا هو نفس مقام الوحي، هذا المقام هو مقام الوحي.
حسناً، تعالوا و انظروا الآن كيف وصل حال بعض الناس و ماذا يقولون! إنهم يقولون: كان رسول الله يشتبه! كان رسول الله يتكلّم بناءً لثقافة زمانه! ففي ذلك الزمان كان الرسول في الخيمة و... .
أوّلاً: من قال إنّ الرسول كان يعيش في خيمة؟ لقد كان رسول الله يعيش في منزل، و نحن نقول لهذا الأحمق: ما هذا القصر و القصور التي ذكرت في مثل قوله تعالى: ﴿قَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ و أمثالها؟ وما هذه الآيات الموجودة والمتعلّقة بقوم عاد، وغيرهم، فماذا تقول فيها؟ ألا يعني ذلك أنهم كانوا يعرفون هذه الأمور؟!
من قال بأنّهم كانوا يعيشون جميعاً في الخِيام؟ لا، إنّ أكثرهم لم يكونوا يعيشون في الخيام، بل أكثرهم كان يعيش في المنازل و القصور و الحدائق و أمثال ذلك. فمن أين جاءت هذه الأكاذيب؟
ثمّ تقولون أن هذه الآيات ترتبط بذلك الزمان؟! أما الآن فهناك ناطحات السحاب و هذه الأمور، إذن فالآن أصبح الأمر بشكل آخر؟!
فإذا ما أراد الله أن يقول: إنّ لنا في الجنة حوراً عيناً، فيفترض أن يقول: إنّ في الجنّة أبراج "نيويورك" أيضاً و ما أشبهها من الأمور المعاصرة؟! فهو قد وضع من نفس ناطحات السحاب تلك في الجنة، و وضع هناك حوراً عيناً...، عزيزي إنّ الحور العين التي يصل رأسها إلى السقف لا تنفعنا! بل إنّ الخيمة خير منها، على الأقل فيها مكان للتنفس! و في النتيجة حتى في البرج الذي يصنعونه، لا يعلو السقف فيه عن مترين و ثلاثين سانتيمتراً أو أربعين سانتيمتراً، فلم كل هذه الألاعيب و التفاهات؟ كل ذلك لأجل أنهم لم يفهموا، لأنهم جاءوا و قاسوا كل شيء بالمادة و الماديّات.
يقولون:
إنّ أئمتنا ليس لديهم علم الغيب!
رسول الله اشتبه في الموقف الفلاني!
و يجب أن تتغيّر الأحكام! و هذه الأحكام لم تعد لهذا الزمان!
ثمّ بعد ذلك جاءوا ليقولوا: إنّه ليس لقول الأئمة حجيّة!
والبقيّة أتوا أيضاً وأضافوا:
أساساً الأئمة يعصون أيضاً! ثم يتوبون أيضاً! وذلك واضح من أدعيتهم: " إلهي أنا فعلت هذه المعصيّة وقد تبت".
أقول لهم: إذا كان كذلك أكملوا الكلام و قولوا أنهم كانوا يرتكبون الكبائر أيضاً!
يعني: لقد وصلت حال مجتمعنا العلمي إلى هنا. و الحال أن الإمام الرضا عليه السلام يقول: عقول الكاملين منكم لا تستطيع توهّم مقامنا، أيّ: إنّ ما في عقل الكاملين منكم فيما يتعلّق بالشيء الذي عندنا هو وهم و خيال. وبعد كل هذا يأتي هؤلاء و من خلال خزعبلاتهم هذه و تفاهاتهم تلك فيجلسون لكي يحدّثونا بهذه الأشياء.
حسناً! تبيّن لنا أن هذه الحقائق، هي تلك الحقائق الموجودة في نفس النبي و قد أظهرها على شكل كلام.

    

الرياضة تشمل كل جوانب الحياة ومنها الزواج

]بالعودة إلى موضوع الرياضة نقول:[ إنّ هذه الرياضة التي تتعلّق بشؤون الإنسان، هي التي بيّنها العلماء والأولياء، فهذه الرياضة المتمثّلة بما بيّناه هي التي تغطّي جميع الدائرة الوجودية، سواء من الناحية الظاهرية والفيزيائية أم من الناحية الباطنية، فإنّها تغطي كل هذه المساحة، يعني: الرياضة من ناحية الشخصيّة، والرياضة من ناحية الشهرة والسمعة، والرياضة من ناحية استجلاب النفوس، والرياضة من ناحية البشاشة وإرسال البسمات، فالرياضة تشمل ذلك كلّه؛ تماماً كما هو الأمر بالنسبة إلى الشؤون المرتبطة بالبدن، أو تلك المرتبطة بالأمور الماديّة والجسمانيّة.
قبل الشروع بكلام الإمام عليه السلام الذي سنصل إليه، نريد أن نتكلّم أوّلاً حول الزواج، حيث أنّ هناك مسألتين لهما تأثير كبير وعجيب جداً على وضعيّة الإنسان، وخصوصاً وضعيّة السالك؛ المسألة الأولى: مسألة النكاح و الزواج، وتلك الجوانب المتعلقة بها والشوائب التي تعتريها، وجميع ما يرتبط بهذه القضية، وتحديد طبيعة رؤية الإسلام بالنسبة لهذا الموضوع؛ فما هي نظرة الإسلام تجاه مسألة تعدّد الزوجات ومسألة النكاح الدائم والمنقطع؟ وعلى أيّ أساس يمكن للإنسان أن يُقدم على هذا الأمر؟ وعلى أيّ أساس لا يمكنه أن يُقدم؟ وفي أيّ مورد يكون مفيداً له؟ وفي أيّ مورد يكون مضراً له؟ وفي أيّ مورد عليه أن يتوقّف؟ وفي أيّ الموارد يكون موافقاً لرضا الله؟ وفي أيّ من الموارد يكون موافقاً لرضا النفس؟ خاصّة أنّ هذا الأمر لا يتعلّق بوضع الإنسان الظاهري فحسب، وإنّما له تأثيرٌ مهم جداً يرتبط بتعلّقات الإنسان وطبائعه وذوقه، وحركاته وأفكاره وتوجهاته.
كنت أريد أن نبحث اليوم بهذه المسألة بشكل إجمالي، و لكن بالتأكيد لن يتمّ هذا البحث بجلسة واحدة لوجود فروع مختلفة يجب أن يتمّ بيانها، وبشكل إجمالي نقول: يوجد في هذا المقام نظرتان: النظرة الفقهيّة والشرعيّة، والنظرة الأخلاقيّة والسلوكيّة؛ والبحث في الاتجاهين بالغ الأهمية، أمّا من الناحية الفقهيّة، فلأنّني أرى أنّ هذه المسألة هي محل ابتلاء كثيراً؛ فالأسئلة والإشكالات التي تطرح، والنزاعات التي تحصل، والاختلافات الموجودة هنا هي من جميع الجهات ومن كافّة المستويات، بعضها ناشئ من عدم الاطّلاع على الموازين، وبعضها ناشئ من التقصير، والبعض الآخر ناشئ من التوقعات الزائدة والعالية، وبعضها مرتبط بالأمور الاجتماعية، ومن حيث المجموع يجب أن نتكلّم في هذه المسألة حتى يطّلع الرفقاء عليها.
ثم كما أنّه يجب بحث المسألة من وجهة النظر الفقهيّة، كذلك يجب أن نتحدث حول تحديد كيفيّة وحقيقة الأمر من الناحية السلوكيّة، ثمّ دراسة مدى انطباق الحكم الفقهي مع الحكم الأخلاقي والسلوكي: فهل ذلك الحكم منطبق مع الحكم الأخلاقي؟ أم يمكن أن يكون مختلفاً مع الحكم السلوكي؟ وهل من الممكن أن يكون في هذه القضيّة اختلاف، وما هي مراحل الاختلاف هذه؟ ولأهمية هذه القضية يمكن أن نخصص عدة جلسات من جلساتنا لها، حتى نبدأ بعد ذلك ببحث مسألة الطعام التي تكلّم عنها الإمام الصادق عليه السلام. ولكن الموضوع اليوم بشكل عام سلك طريقا آخر، وأخذت المسألة صورة أخرى. ولذا سنبدأ ـ إن شاء الله ـ في الجلسة المقبلة بهذه المسألة إذا وفقنا الله لذلك، ولأن نحضر مع الرفقاء والأصدقاء.

    

تنبيه: النيروز ليس عيداً إسلامياً

المسألة الأخرى التي يجب أن نسلّط الضوء عليها تتعلّق بواقعنا الحالي والفعلي، وهي المسألة المرتبطة بالأيام القادمة والمراسم والمسائل المتعلقة بهذه الأيام الآتية.
كما يعلم الأصدقاء فإنّ مباني السلوك ومباني الشرع مبنيّة على أساس مراعاة الأمور الواقعيّة و على أساس العقلانيّة، و هذا مشهود في أماكن متعددة من التعاليم الشرعيّة.
إنّ الأحكام و التوجيهات والبيانات التي وصلتنا من الشرع بخصوص المناسبات و كيفيّة إحيائها، سواء في ذلك الأعياد و الأفراح أو العزاء والأحزان وأمثال ذلك، جميعها مبنيّة على أساس قواعد العقل و العقلانيّة، وهذا هو الأساس الذي نعتمد عليه، وهو الذي يسوقنا إلى مباني التوحيد والمعارف الإلهيّة، لا على أساس غلبة الأحاسيس ولا على أساس أذواق العوام العاديّة والطفوليّة، بل المسألة مسألة عقليّة، والمسألة مسألة توحيد، و المسألة مسألة وصول إلى المعارف، ويجب أن تؤخذ تلك المواضيع من التوجيهات و التعاليم الشرعيّة.
نعم، بالطبع هناك أفراد لا يقبلون ذلك ولا يرتضونه، ولا يقبلون الكثير من هذه المواضيع، فهم يسلكون طريقهم الذي حددوه بأنفسهم، و نحن قد بيّنا أن الطريق مفتوح للجميع لينتخب كل فرد ما يريد، والاختيار لهم؛ و لكل شخص أن يطرح مواضيعه بدون مضايقة، ثم يعود الاختيار لكل واحد منّا في انتخاب ما يريده.
ليس هناك في الشرع شيء اسمه عيد النيروز[8]، وهذا العيد يعود إلى حقبة ما قبل الإسلام، و هو مختصّ بـ "الزرادشتيّين" ، وهو من سنن الجاهلية. ومع ملاحظة الأفعال و الحوادث التي تحصل في مثل هذه الأيام، وآثارها ومصائبها التي نشاهدها بأنفسنا، يجب على الدولة أن تفكر جديّاً في هذه التصرفات التخريبيّة التي نشاهدها[9] ، فهذه التصرّفات والمشاكل باتت تزداد كل عام؛ فلا معنى لأن يقوم فرد – على سبيل المثال بالتصرفات التي تصدر بهذه الكيفيّة و الوضعيّة ]السيّئة[ أو يقوم بتلك الأعمال الطفولية التي تؤذي الأفراد وتخلّ بأمن المجتمع والناس، ومع ذلك تجد المسؤولين يقفون للمشاهدة فقط. بل يجب على المسؤولين أن يتعاملوا بشكل جادّ مع هذا الأمر؛ فإذا ما أرادت مجموعةٌ ما أن تتخطى الأصول الإنسانيّة، فيجب عندها أن يتصدّوا لهم و أن يردعوهم.
من الممكن أن يكون هناك جماعة من المجانين، أو من الأوباش لا يريدون السير وفقاً لطريق الإنسانية أو لحركة المجتمع، فوظيفة المسؤولين هنا أن يمنعوهم عن فعل ذلك، أمّا مشاهدة ما يحصل هنا فهو:
ترحم بر پلنگ تيزدندان
                             جفاكارى بود بر گوسفندان


(يقول: إنّ الرحمة والتسامح مع الفهد صاحب الأسنان الحادة القاطعة، يعتبر في حدّ نفسه ظلماً للنعجة الوديعة!)
واقعاً كم هي تلك الأفعال الوحشية والبربرية والأفعال الجنونيّة؟! وكم يرتكبون من الجنايات ويوقعون الخسائر في كلّ سنة؟! وكم هي –واقعاً شنيعة وقبيحة ووقحة تلك الأفعال والأعمال التي نشاهدها في كلّ سنة، والتي لا تحكي إلا عن غلبة الجنبة الحيوانية والبهيمية والجنون؟! إذ ليس هناك دافع وراء هذه المسائل إلا ذلك؛ فقد أدّت تلك الأفعال الرعناء إلى إسقاط الكثير من النساء الحوامل! وكم آل ذلك إلى دخول العديد من الأفراد إلى المستشفى؟! وكم تُوقع هذه التصرفات من أضرار؟! لماذا؟! واقعاً لماذا كلّ ذلك؟! فهل يمكن في الواقع لشخص لديه ذرّة من الإنسانيّة أن يقترف مثل هذه الأفعال الشنيعة، فيسلب الأمان من جميع الناس؟! أو يسلب الأمن من المجتمع؟! يشعلون النيران، ويطلقون المفرقعات ويحطّمون و يخرّبون، فهل نعيش في غابة أيها السيّد؟! هل تحسبون أنّ القانون هنا هو شريعة الغاب؟
حسناً، ]إذا كان لك رغبة في ذلك[، فلتذهب إلى الصحراء وأشعل النار على رأسك، واقتل نفسك، عندها لا شأن لأحدٍ بك، اذهب إلى الصحراء وأشعل نفسك بل فجّرها، واذهب إلى جهنّم، فلا أسف عليك، بل سيرتاح الناس منك ومن أفعالك، و سيشعر الجميع بالأمن والأمان بعدك.
ولكن لماذا تركض في الشوارع لتقوم بهذه الأعمال في الأزقّة و بين منازل الناس، أوفي الطرقات وبين السيّارات؟! ماذا يعني ذلك؟! يعني هل يمكن أن نطلق عليك اسم حيوان؟! واقعاً أنا أتعجّب من أولئك الأفراد الذين يروّجون هذه الأفكار ويطرحونها، ثمّ يعتبرون أنفسهم من أصحاب الفكر المتنوّر المتفتّح، بدعوى أنّهم يحيون السنن القديمة، فلتذهب إلى الجحيم هذه الأراجيز السالفة وهذه السنن البائسة التي لم تجلب للناس إلاّ المصيبة والشقاء. هل هذا هو حكم الإسلام؟

    

كل ما يتسبّب في أذية الآخرين فهو حرام

إنّ رأي الإسلام هو ما بيّنه المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه لأحد الخطباء المعروفين الذي كان يعطي محاضراته في مدينة قم هذه، في حسينيّة المرحوم آية الله المرعشي... لقد كان ذلك الشخص المبجّل ـ وهو المرحوم آية الله حضرة الميرزا حسن الهمداني رحمه الله صديقاً للمرحوم والدنا، و قد كان رجلاً عظيما جداً، كان رجلاً موقّراً جداً، كان من أهل المعنى، كان من أهل الصدق، كان من أهل الصفاء، وكان يعمل لأجل الله، وكانت خطبه ومحاضراته لله، والمرحوم الوالد كان يقول: إن هذه المحاضرات التي يلقيها لوجه الله، وهذه التبليغات التي يقوم بها هي لله، وفي يومٍ من الأيام تشّرف هذا العالم المحترم بالذهاب إلى مشهد، ولم أكن آنذاك هناك، ولكن الأصدقاء الذين كانوا حاضرين نقلوا لي: أنّه كان يتكلّم مع السيّد الوالد حول بعض المواضيع وعن كتاب معيّن كانت مواضيعه ضدّ ولاية أهل البيت عليهم السلام، فقال رحمه الله: "لقد ذهبت و خطبت في نفس حسينية المرحوم النجفي، حيث تكلّمنا في الأيام الفاطمية العشرة، أو في أيام صفر، حول هذا الموضوع، وكان الصوت عالياً جداً، و كان الصوت جيّداً، وكان الصوت يصل إلى كل مكان..."، فكان ينقل للمرحوم الوالد ما حصل هناك، و لكن ما إنْ ذكر للوالد أنّ الكلام كان بواسطة "مكبّر الصوت" الموضوع خارج الحسينية! حتّى استوقفه المرحوم الوالد قائلاً: "ماذا..؟؟ كان ذلك بواسطة مكبّر الصوت؟! لماذا مكبّر الصوت؟! ما الحاجة إلى مكبّر الصوت الذي يصل صوته خارجاً؟!" ، يعني: بشكل مفاجئ تغيّر وضع العلامة، فصديقنا الذي كان ينقل الحادثة لنا قال:إنّ العلامة بشكل مفاجئ بُهِتَ وتعجّب وانقلب حاله، يعني المرحوم الوالد بقي مستمعاً إلى أن قال له: كان هناك مكبّر للصوت، وكان الصوت يصدح في الشارع وفي أرجاء المنطقة، وقد اجتمعت حشود الناس في الشارع.
فقال له الوالد: "بأيّ مجوّز شرعيّ تم وضع مكبّر الصوت خارجاً في الشارع؟! ألم يكن حولكم منازل؟! ألا يعيش في تلك المنازل أناس وبشر؟! فلو كان في تلك المحلّة مريضٌ، ألن ينزعج من صوتكم حينئذٍ؟!"
هل التفتّم؟! هذا هو الإسلام الذي نفتخر به! إن تحمّل صوت عالٍ من مكبّر الصوت غير مقبول ونحن لا نتحدّث عن تلك المفرقعات المرعبة التي تحتاج إلى صلاة الآيات! فقط تحمّل صوت مكبّر الصوت الذي تُبثّ به المعارف الإسلامية وتبيّن به المواضيع الإلهيّة لا قيمة له في مقابل أيّة أذيّة للآخرين، مع أنّه من الممكن أن يكون هناك العديد من الناس الذين يرغبون في الاستماع بهذه الكيفية وهم في منازلهم، إلا أنّ جميع ذلك لا يساوي شيئاً مقابل وقوع أذيّة واحدة لمريض أو طفل رضيع، أو أي شخص يريد أن يخلد للراحة في منزله، فيمنعه صوت مكبّر الصوت من النوم! هذا هو الإسلام!
حسناً، هل يجري تطبيق الإسلام فيما بيننا بهذا الشكل؟!
هذا هو الإسلام، حيث ليس المسلم من يقوم بأذية جاره حتى لو كان يهوديّاً، فرفع الصوت من خلال مكبر الصوت حرام، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الجار مسيحياً أو غير ذلك، حقوق جميع الناس محترمة، فالجميع بشر يجب أن يُحترموا، لا فرق في ذلك بين أن يكون يهوديّاً، أو مسيحيّاً، أو مجوسيّاً، أو شيوعيّاً، لا فرق، فلا ينبغي أذية المريض بالصوت القوي الصادر من مكبر الصوت، اجعل مكبر الصوت في منزلك وارفع الصوت إلى أن تُصمّ أنت! لماذا ترفع صوته للآخرين وتزعج جيرانك؟!
حينئذ، فمع امتلاكنا لمثل هذه الأحكام الإسلامية الراقية، يأتون ويقولون: تعالوا وأحيوا سنن الماضين! أحيوا سنن أسلافنا الصالحين! ماذا تقول الآيات القرآنية؟ ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾[10] يعني هل يجب أن يتبعوا آباءهم حتى وإن لم يكن لهم عقل؟! هل يجب أن نمشي وراء المجانين لمجرّد كونهم يقومون بفعل ذلك؟! فالأعياد الثابتة عندنا هي: عيد الأضحى، وعيد الفطر وعيد الغدير، وعيد مولد النبي الذي سيأتي بعد يومين، وهو العيد الذي قال الله فيه: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ...﴾[11] هذا هو العيد، العيد الذي منّ الله به على الناس من خلال رسالة النبيّ، المنّة بسبب إرسال النبيّ، كي ينجينا جميعاً، وكي يوصلنا ويبلُغ بنا تلك الرتبة الأرفع والمرتبة العليا.
العيد هو عيد الغدير، عيد الولاية، هذا هو عيد الأئمّة، أمّا عيد "النيروز" فمن أين أتى؟ ما هو عيد النيروز؟ إذا انتهت السنة وبدأت سنة جديدة فهل يكون ذلك عيداً نفرح به؟! هل ينبغي أن نتّخذ من دورة الأرض عيداً! يعني نتّخذ من دوران الأرض حول الشمس عيداً ونشرع بالتصفيق! واقعاً فلنجلس ونفكّر ملياً، أصلاً فلنفرض أنّ النبيّ هو الذي قال لنا: حينما تدور الأرض حول الشمس دورة كاملة فاتخذوا من ذلك عيداً، فلو سألناه: لماذا هذا العيد؟ فبماذا سيجيب النبي؟ يعني مضت السنة، فلتمض! وما ربطي أنا بذلك؟ مضت سنة. فلماذا نجعل نقطة انقضاء السنة من الأعياد؟! فليكن أول يوم من فصل الشتاء مثلاً، فلنجعل النيروز أول فصل الخريف! فهو جميل جداً، حيث تكون أوراق الأشجار متّشحة بالصفار، فتتساقط وتتطاير، وهو منظر جميل جداً؛ أو في الصيف مثلاً، حيث هناك الفواكه والشمام و...، فهو أجمل وأهنأ، صحيح؟!
بناءً على ذلك، لا سبب يحتّم علينا أن نجعل مبدأ السنة هو يوم النيروز، ولا يقبل العقل ذلك أصلاً، صحيح؟ لذلك ينبغي أن نلتفت إلى هذه المسألة، وهي أنّه لا ينبغي أنْ نبني حركتنا الاجتماعية على أساس فردي وشخصي، بحيث نفرح ونتماشى ونذوب في هذه الأمور! فنشرع بالتماشي مع أجواء العيد، أو نسافر ونذهب، ونزور الأرحام. بلى! صلة الأرحام لا مشكلة فيها، والذهاب والسفر والترفيه لا إشكال فيه، فالإنسان حينما تسنح له فرصة فلا بأس أن يستغلّها، وهو عام لجميع أيام السنة دون تفاوت، ولكن لا ينبغي إبراز ذلك وإظهاره بقالب العيد! ولو تلبّست هذه الأفعال بلباس العيد بهذا الشكل حينئذ سوف تكون مخالفة لتعاليم الشرع ومناقضة لها.نسأل الله أن يرينا الأمور ويبصّرنا بالحقائق ويوفقنا للعمل بما هو رضا له إن شاء الله.
وإن شاء الله لدي الرغبة في كتابة رسالة حول هذه المسألة[12] ، وسوف أبيّن حقيقة تلك الأمور والأحاديث المجعولة الباطلة، حيث ـ وللأسف ـ قام المرحوم الشيخ عباس ]القمي[ بذكرها في "مفاتيح الجنان" ؛ فسنقوم بدراستها وتحليلها إن شاء الله، هذا وقد قام الحقير بمراجعة أربع وعشرين نسخة خطية من الكتب الروائية التي تعتبر مصدراً لرواية النيروز، وصار ثابتاً بالعيان أنّ هذه الرواية مجعولة وموضوعة، وسوف نبيّن ذلك بشكل مبسوط إن شاء الله، ونوضّح أنّ جميع ما ينقل عن ذلك لا سند له، أما الرواية الصحيحة فهي ما نقل عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، حينما قام المنصور الدوانيقي بدعوته لمراسم عيد النيروز في المدينة، حيث أنّ هذه السنن قد انتقلت من الفرس إلى تلك المناطق وذلك في زمن عبد الملك بن مروان، وهناك بيان مفصّل وموثّق عن كيفيّة مجيء بعض الإيرانيين ودخولهم في حكومة بني مروان، ممّا سبب سراية بعض ثقافات وآداب العجم إلى حكم بني مروان، وبعدهم انتقلت إلى بني العباس، حيث أنّ العديد منهم سرى على أسس الأعراف والآداب الفارسية... نعم حينما دعا المنصور الدوانيقي الإمام عليه السلام للمشاركة في المراسم الخاصة لذلك، أجابه سلام الله عليه وقال:
"إنّي قد فتّشت الأخبار عن جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم أجد لهذا العيد خبراً وإنّه سنّة للفرس، ومحاها الإسلام، ومعاذ الله أن نحيي ما محاه الإسلام". [13]
إنّ الإمام عليه السلام لا يحتاج إلى البحث والتنقيب والتفتيش، وإنّما يريد الإمام أن يقول للمنصور الدوانيقي: ليس هناك من أثرٍ أصلاً! فهذا العيد من سنن الفرس، والإسلام قد محا هذه السنّة، ومعاذ الله أن أحيي ما محاه الإسلام ونهى عنه، هذا هو كلام الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وقد نقله ابن شهر آشوب في كتابه المناقب. فكلّ من له أدنى خبرة وأقلّ درجة من شمّ الفقاهة في روايات أهل البيت وأحاديث الشرع، يدرك أنّ هذا الحديث صادرٌ عن المعصوم بلا ريب، وأنّه ليس كذاك الحديث المجعول ـ كما سترون ـ والمضطرب والذي يحتوي على الهرطقات التي وردت...، حيث قام جاعلها بزجّ وتلفيق كلّ شيء فيها! عجيبة جداً تلك الرواية!
لقد جعل اليوم الأول يوم كذا وكذا، مثلا تموت أمّه في هذا اليوم!
في اليوم الثاني تموت خالته!
في اليوم الثالث تموت زوجته! ها، اليوم الثالث جيّد [ضحك من الحضور]
اليوم الرابع، لا أدري يموت الزوج، طبعاً سيفرحن بالطبع، [ضحك من الحضور]
على كل حال، كل إنسان يفسّر الأمور طبقاً لسليقته، إنّ الرواية تشتمل على أراجيز وهرطقات، وحينما تشاهدون الرواية فسوف تعلمون أنّها مجعولة، وسوف نعرف هل كان الواضع حاذقاً في وضعها أم لا.

نسأل الله أن يوفّقنا جميعاً، وأن يهدينا و يوفّقنا للسير على صراط الأولياء وعلماء الدين إن شاء الله.

اللهم صل على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم


[1] ـ سورة الواقعة (56)، الآيات 79 و 80.

[2] ـ وهو شمس الدين محمد بن محمد الشيرازي، المعروف بحافظ الشيرازي رضوان الله عليه، عاش بين ۷۲۷ ۷۹۲ هجري قمري ، ولديه ديوان يطلق عليه اسم (ديوان حافظ)، أغلب أشعاره كانت في الغزل العرفاني (المترجم)

[3] ـ المعنى: ألا يا أيّها السّاقي أدر كأسا وناولها، فالعشق بدا لي سهلاً في أول الأمر، ولكن بعد ذلك أوقعني في المشاكل والابتلاءات. وفي نهاية الأمر، كم احترقت القلوب بسبب تلك الرائحة الزاكية التي حملتها ريح الصبا من طيات شعره المجعد الأسود. اصبغ السجادة بالشراب إذا ما أمرك بذلك الشيخ العارف، فإنّ السالك خبيرٌ بالطريق ومنازله، بصيرٌ برسومه و آدابه.

[4] ـ سورة النساء، الآية 26، والأنفال الآية 71، والتوبة الآيات: 15 و 60 و 106 و 110، والحج الآية 52، والنور الآيات 18 و 58 و 59، والحجرات الآية 8، والممتحنة الآية 10.

[5] ـ سورة الإسراء، الآيات 30 و 96.

[6] ـ سورة الأحزاب، الآية 73، والفتح، الآية 6.

[7] ـ راجع الشمس الساطعة للعلامة الطهراني، النسخة العربية، قسم محاورات التلميذ و العلاّمة، إعجاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، ص 148 إلى 150 المترجم.

[8] ـ لا يخفى على القارئ أن يوم النوروز هو أول يوم من فصل الربيع من كل عام وهو بداية السنة الفارسية التي تعتمد على التقويم الهجري الشمسي.

[9] ـ يشير سماحة السيد إلى بعض الأعمال الرعناء التي يقوم بها بعض العوام في آخر يوم أربعاء من السنة الفارسية ، و يسمى (چهارشنبه سوری). (المترجم)

[10] ـ سورة البقرة (2) الآية 170.

[11] ـ سورة آل عمران (3) الآية 164.

[12] ـ بحمد الله ومنّه قام سماحة السيّد بتأليف الرسالة المذكورة باللغة الفارسية وصدرت بشكل كتاب يحمل عنوان (نوروز در اسلام) و يعني (النيروز في الإسلام) ، و نسأل الله التوفيق لترجمته و تقديمه للقارئ العربي في أسرع وقت إن شاء الله. (المترجم)

[13] ـ مناقب ابن شهر آشوب، المجلد 4 صفحة 319، وكذلك في منتهى الآمال للشيخ عباس القمي المجلد 2 باب 9 الفصل 2 وغيرهما.

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی <-- -->