معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > محاضرات الحج لآية الله السيد محمد محسن الطهراني > الحج وآثاره الملكوتية - الجلسة الثانية

_______________________________________________________________

هو العليم

الحجّ و آثاره الملكوتيّة

الجلسة الثانية

وهي عبارة عن جلسة عُقدت في مدينة قم
مع بعض الإخوة الذين تشرفوا بالحج عام 1423 هـ

ألقى المحاضرة:

سماحة آية الله

السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني حفظه الله

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف

بسم الله الرحمن الرحيم

    

أهمية الحج في نظر الأولياء

لا شك أن الإخوة مطلعون بعض الشيء على مسائل الحج، والمجلس لم يعقد للتعليم، بل عقد للتذكير فقط، إذ قد يكون لدى الإخوة بعض الأمور الهامة، يمكن من خلال التذكير أن يستفيد الجميع منها، وباعتقادي هناك بعض النقاط التي نقلت عن العظماء يمكن التحدث حولها، وخصوصاً تلك المنقولة عن المرحوم العلامة أو السيّد الحداد فيما يرتبط بالحجّ، وبعد ذلك إن كان لديهم أسئلة فيمكن أن يطرحوها ونجيب عليها بمقدار فهمنا القاصر.
ينظر المرحوم العلامة وسائر العظماء وخصوصاً الأئمة عليهم السلام إلى الحجّ نظرة خاصّة، ويرون أن قضيّة الحجّ عبارة عن تغيير أساسي في النفس والروح وفي العمل، وكأنّ للحج حساباً آخر مختلفاً عن سائر العبادات الأخرى، والعبارات التي يتحدّثون بها عن الحجّ تختلف عن عبارات الآخرين حوله، والطريقة التي يعملون على حثّ الناس للإتيان بالحجّ تختلف عن حثّهم وبيانهم للأمور الأخرى، فعندما كان المرحوم الوالد في المستشفى لإجراء عملية في العين وكنت معه هناك، طرح مسألة عجيبة ومهمّة حول الحجّ، وإن كانت هذه المسألة لم تطرح من قبل، ولو سئل عنها لأجاب كما يجيب سائر الأشخاص، لكن رأيه كان هكذا: إنّ فريضة الحج واجبة ومهمة في تكامل الإنسان وتقدّمه ومؤثّرة كثيراً في ذلك؛ بحيث حتى لو كان هناك احتمال خطر على حياته في الطريق، فالحج والسير نحو مكة يستحق هذه التضحية؛ يعني أن تخلية السرب ـ التي تعد من شروط الحج ـ كان يطرحها بشكل مختلف في كلامه، وتهيئة الطريق والإعداد للسفر كان يعرضها بشكل آخر، وكأنّ جهة ولائيّة الحجّ ونورانيّته وسيطرة الحجّ على وجود الإنسان تغلب جميع تلك المشكلات الأخرى وترجّح عليها، وكان يعبر عن هذه الحقيقة بتعبيرات عجيبة جداً. وكان دأبه عندما يريد أن يجري العقد أن يسأل عن حجّ الأشخاص المعنيين؛ فيسأل والد العريس والعروس هل ذهبوا إلى الحج أم لا؟ فإن كان أحدهما أو كلاهما قد تشرّف بالحج كان يذكر لقب الحاج قبل ذكر اسمه في صيغة العقد، وأما إذا لم يكونا قد جحّا بعد فكان يدعو لهما بالتشرف سريعاً وعدم الحرمان من هذه النعمة. ولو كان الشخص متمكّناً ولم يحجّ بعد كانت تظهر عليه آثار عدم الرضا على وجناته بوضوح، وكان يبدي نفوره من هذا الشخص المتمكّن والذي لم يحجّ بعد، وكان يجري العقد بحالة من الإكراه. وأذكر أنه في إحدى المجالس سأل أحد الأشخاص المتمكّنين من التشرف بالحجّ بأنه لم يذهب بعد، فقال أنا من مقلدي المرجع الفلاني، وقد أجاز لي هذا المرجع أن أصبر قليلاً في الذهاب إلى الحجّ، فغضب المرحوم الوالد وقال: لا هو ولا من هو أكبر منه يمكنه أن يعطي مثل هذه الإجازة، وهذا الموقف كان عجيباً بالنسبة إليّ، من أجاز لك أن لا تذهب إلى الحجّ مع أنك متمكن، فمسألة الحجّ ليست مسألة بسيطة، فالمستطيع على الحجّ عليه أن يشرع بمقدماته من تسجيل اسمه في النوبة، ولو فرض أن كلفة الحجّ مائة مليون وكان قادراً على دفع هذا المبلغ وجب عليه دفعه والذهاب، فالمسألة ليست بهذه السهولة.

    

قصة النبي إبراهيم وسفره إلى مكة وبنائه الكعبة

وهي مهمة جداً، إلى حد أن الله تعالى قد أمر النبي إبراهيم أن يشخص بأهله من فلسطين ويمشي ثلاثمائة فرسخ مع زوجته وابنه ويتركهم هناك وحيدين، ثم يأتي ويبني الكعبة مع ولده إسماعيل لكي يأتي الآخرون من جميع أنحاء العالم ليحجّوا هناك كما صرحت الآية بذلك: { وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَميق‏ }، ماذا يعني هذا؟ يعني على جميع البشر أن يأتوا ويضعوا أرجلهم في المكان الذي سار عليه إبراهيم عليه السلام، ليعلنوا أنهم أتوا ومشوا كما مشى النبي إبراهيم، فإبراهيم لم يقطع هذه المسافة بالطائرة، بل قطعها مشياً على الأقدام، أو راكباً على الدابة، فأهم أثر بالنسبة إليه ـ وهو ولده ـ ضحّى به هناك. على الإخوة أن يعرفوا على أي أساس كانت حركة إبراهيم، وكيف أتى إلى هناك، لقد مشى إبراهيم ثلاثمائة فرسخ وكان في وقتها شيخاً كبيراً، وترك هناك الأثر الوحيد الباقي له وهو ابنه إسماعيل، وتركه هناك ورجع ولم ينظر خلفه، وورد في الروايات أنه أُمر أن لا ينظر خلفه أصلاً، قيل له: اتركه هناك وعُد! وبعد أن بقي إسماعيل عليه السلام هناك ووصل إلى سن الشباب، عاد وبنى معه الكعبة التي كانت آثارها موجودة هناك منذ عهد آدم عليه السلام، يعنى أن آدم هو الذي وضع الحدود الأربعة للكعبة، لكن لم يبنها هو.. بل الذي بناها هو إبراهيم وولده إسماعيل وأقاما بناءها إلى السقف، هكذا كانت مسألة النبي إبراهيم، ثم أمر {وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَميق‏}، أمره الله أن ينادي في الناس ويطلب منهم المجيء والجلوس إلى هذه المائدة التي أعددتها لك ويستفيدوا منها أيضاً، ولا تجعل هذه النعمة مختصة بك، بل مُنّ بها على الآخرين أيضاً، واجعل هذه الألطاف الإلهية التي شملتك بنعمتها تشمل الآخرين أيضاً، لذلك أتى إبراهيم وتحمّل مشاقّ السفر والحرّ والبرد حتى نذهب الآن نحن إلى تلك البقعة المباركة، ولو لم يكن إبراهيم قد بنا هذا البيت ولم يأمرنا بالتوجه إليه، لكانت هذه الفيوضات الإلهية والنعم الربانية مغلقة أمامنا إلى يوم القيامة، فهو الذي فتح لنا هذا الباب، وهو الذي أعد لنا هذا البيت، حتى لا يأتي أحد يوم القيامة ويقول لله تعالى: لماذا لم تمنحنا المقام الذي منحته لإبراهيم؟ بل قال لنا: تفضلوا الآن فالباب مفتوح أمامكم، والمسألة معدّة لكم، ويمكنكم أن تصلوا إلى تلك المرتبة التي وصل إليها هو، لكن فيما إذا كنتم في تلك الحالة التي كان عليها هو، لا مثل ذاك الذي يدخل المدينة وبعد ثلاثة أيام يقول: حتى الآن لم أتشرف بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله، فالمسألة تختلف كثيراً، فعندما نقول الحجّ الإبراهيمي، علينا أن ننظر كيف كان حجّ إبراهيم؟ هل كان حجّ إبراهيم كالحجّ الذي نأتي به نحن في هذا الوقت؟ أو أن حجّ إبراهيم يختلف عن حجِّنا؟ نعم، يجب أن يكون حجّنا حجاً إبراهيمياً، لكن من هو إبراهيم وكيف كان حجّه؟ ماذا كانت نيّته وعلى أي أساس أتى؟ هل أتى إلى ذلك المكان كي يمضي بعض الأيام؟ وهل أتى لكي يلقي بعض الكلمات، أو أن يجعل لنفسه مقاماً ورئاسة هناك؟ أو أن الحجّ الإبراهيمي كان أمراً آخر، كانت كيفيّته مختلفة وحيثيّاته مختلفة، وهذا هو الأمر الذي علينا أن نراعيه ونصل إليه قدر الإمكان، فمسألة الحجّ مسألة مهمّة، والحاصل أنّ في الحجّ أمراً مهماً بحيث إذا استطاع شخص الذهاب إلى الحجّ ولم يذهب فكأنه لم يمت على الإسلام. لقد نقل عن أحد أرحامنا البعيدين أنه حين موته ـ والذي ينقل شخص كان موجوداً هناك ـ قال للحاضرين أن الملائكة تخيرني أن أموت يهودياً أو نصرانياً، والحال أنه لم يكن قد حجّ! فهذه الأمور التي يبينها الأئمّة لنا ليس مزاحاً، بل هي أمور واقعيّة؛ حيث أرادوا أن ينبهونا إلى تلك الحقائق التكوينيّة والتشريعيّة، ولم يحبوا لنا أن نضيع عمرنا خساراً، فالشخص الذي يستطيع أن يذهب إلى الحجّ عليه أن يذهب، بل يوجد في بعض الفتاوى أن الأشخاص الذين يقدرون على الحجّ أكثر من مرة عليهم عدم الاقتصار على حجّة واحدة، ويجب أن يبقى حرم الله تعالى مليئاً بالحجّاج، ولا يمكن لأي شخص أن يغلق الباب أمام السفر إلى الحجّ، بل يجب أن يبقى الحجّ مفتوحاً أمام المسلمين جميعاً وبشكل دائم، بل قد يجب على الحاكم الإسلامي ـ إذا لم يقدر الناس على الحجّ ـ أن ينفق من بيت المال على المسلمين كي يحجّوا، حتى لا يخلو بيت الله من الحجّاج. وهذه القضية مهمّة جداً.

    

التهيؤ لأفعال الحجّ

ماذا علينا أن نفعل نحن في هذا السفر، المطلب الأول الذي يذكره الأولياء هو أنّ الإنسان عندما يريد الخروج إلى الحجّ وإلى الله تعالى عليه أن يشكر الله تعالى على ما وفّقه في هذا العمل، فعليه أن يغتسل غسل التوبة من جميع ما قام به حتى الآن، لذا على الإخوة أن يغتسلوا غسل التوبة، والأفضل أن يكون ذلك ليلة الجمعة، ويصلى بعده ركعتين، بعد صلاة الصبح، أو إلى ما قبل صلاة الظهر، ويقرأ بعد الصلاة مائة مرة "أستغفر الله ربي وأتوب إليه" لكي يخلي باطنه من المعاصي حتى يتهيأ لتخلية ظاهره أيضاً، ويستغفر الله على ما صدر منه من أعمال عظيمة اتجاه الله، وأنّه عندما يريد الخروج من منزله عليه أن يخرج كما خرج إبراهيم عليه السلام، وعليه أن يفكر في ذلك ويغور في نفسه ويتأمّل؛ في أي حال كان إبراهيم وفي أي وضعيّة كان الأئمّة عليهم السلام وسائر العظماء عندما كانوا يذهبون إلى الحجّ. لا أنسى أبداً ذاك السفر الذي ذهبنا فيه مع المرحوم الوالد إلى الحجّ، أنّه كان في الأيام الأخيرة قبل سفرنا إلى الحج في حالة عجيبة وغريبة جداً، فتعلقه بالأمور كان بشكل آخر، كان في جميع أوقاته غارقاً في حالة تفكر وتأمل، وكلّما اقترب موعد السفر اشتدت هذه الحالة عليه، وكأنه يريد أن يموت ويخرج من هذه الدنيا، فكان يقطع جميع تعلقاته، ويحد من لقائه بالآخرين، وكان يضع نفسه في مسار الداعين للحجّ، وكان هذا الأمر مشهوداً لديه بشكل واضح. وبناء عليه، يجب على الإنسان أن يتوب إلى الله ويستغفره، وأن يجعل نفسه عبداً ذليلاً أمام مولاه الذي دعاه إلى بيته وضيافته، فيجب أن تكون لديه حالة العبودية وحالة التواضع والمسكنة والذلة، وهذه المسألة يجب أن تكون في جميع أوقات الحج؛ فعليه أن لا يتعامل مع الحجّاج الآخرين معاملة فوقية، فهم ضيوف لله تعالى كما هو ضيف له، وإن كانوا من سائر المذاهب، إلا أنهم ضيوف لله تعالى، وعلى الإنسان أن ينظر إليهم من هذا المنطلق، وعليه أن يرى نفسه أقل من الجميع. ففي حال الطواف عليه أن يرى نفسه أقلّ شأناً من الآخرين.. واقعاً عليه أن يرى نفسه أقلّ منهم، فيعطيهم حق التقدم عليه، وفي الازدحام الشديد عليه أن لا يدفع أحداً، بل عليه أن يفتح الطريق أمام الآخرين. وقد أخبرني أحد الأصدقاء أنه حين الطواف كان يطوف بسرعة ويدفع هذا وذاك، وفي اليوم التالي اتصل به أحدهم وقال له: لقد رأيت المرحوم العلامة في الرؤيا ـ وكان يراه كثيراً في الرؤيا ـ وقال لي قل لفلان أن لا يدفع هذا وذاك فإنهم عباد الله، فإن كان الطريق مفتوحاً أمامه فليذهب وإلا فليمش رويداً كما هو حال سائر الحجّاج. ويجب أن تبقى هذه الحالة من التذلل والخشوع مصاحبة للحاج بشكل دائم في هذا السفر. إذاً ينبغي أن يكون الإنسان في حالة السفر كالعبد الذي أتى ليلبي دعوة مولاه، فلا يفكر أصلاً في المال الذي دفعه وكم بذل لهذا السفر، عليه أن لا يفكر في هذا الأمر بتاتاً أو يحدث نفسه بذلك، فالعبد لا يملك شيئاً حتى يمنّ على مولاه بأنه أنفقه لأجله. فسواء أنفق مليوناً أو عشرة ملايين أو مائة مليون، فكل ذلك صفر؛ لأنه ينفق من مال غيره لا من ماله، والإنفاق من مال الغير لا يحتمل القلة والكثرة فمهما دفع الإنسان كأنه لم يدفع شيئاً. إذاً عليه أن يفكر بأنه لم يدفع شيئاً ولم ينفق شيئاً ولا تعلق أصلاً بهذا المال، بهذه النية على الإنسان أن يخرج من منزله، وعندما يضع رجله خارجاً عليه أن لا يفكر في هذه الأمور بتاتاً، لكن للأسف في هذه الأيام لا يلتفت أحد للعمل بهذه الكيفية، فالأشخاص الذي يذهبون الآن للحج يتصلون يوميّاً بمنازلهم ويسألون عن أحوال الأولاد والعيال. كلاّ بل على الإنسان أن لا يتصل كل يوم، فالأهل والعيال لديهم رب وحافظ، نعم، لا بأس أن يتصل في الأسبوعين مرّة، لا أن يتصل بهم كل يوم ويسألهم عن أخبار هذا وذاك.. من مات ومن تزوج و... فالحاجّ لا ينبغي أن يفكر في الأمور التي تجري في منزله، لا يفكر في عمله، ولا يفكر في ما جرى على دكّانه ومكتبه ومحل عمله، فجميع هذه الأمور تنقص من سهم الإنسان ونصيبه؛ لأن ذاك المقدار من الصفاء والخلوص الذي لدى النفس للوصول إلى المبدأ قليل عنده.. إذا ترك الإنسان أهله وعياله في المنزل فالله عندهم، عندما نكون هنا بالقرب منهم، فهل نحفظهم ونكفلهم باهتمامنا نحن بهم؟ كلاّ فالمسألة بيد الله والحفظ بيد الله، لا ينبغي على الحاج أن يفكّر في أولاده وزوجته أو بعمّه أو عمّته أو شريكه، إذا اتصل بهم في الأسبوع مرة أو في عشرة أيام فيسألهم: جميعكم بخير؟ في أمان الله. إن هذه الأمور توجب تشويش ذاك الصفاء والخلوص والتوجه الباطني إلى الله، أما إذا لم يكن في فكره شيء من هذه الأمور تبقى لديه تلك الحالات، ولا أذكر أبداً عندما كان المرحوم الوالد يذهب إلى الحج أنه اتصل ولو مرة واحدة بالتلفون، نعم في وسط تلك المدة أي بعد خمسة عشر يوماً كان يرسل رسالة، ولم يعهد عنه أنه اتصل بأحد من الحجّ يسأل عن فلان أو فلان، وهذا من الأمور المؤثِّرة. قيسوا الأمور على أنفسكم، فانظروا إذا وضعتم أنفسكم بمثل هذه الظروف أو أخرجتموها عن ذلك، فحالكم سوف يختلف. عندما أتى النبي إبراهيم عليه السلام ـ وحينما نقول الحج الإبراهيمي مرادنا هذا ـ ووضع زوجته وولده في مكة، لا في فنادق مكة مع خدماتها، بل وضعهم فيها بحيث لم يكن هناك طير في السماء.. هناك صورة جاءني بها أحد الإخوة ووضعتها في غرفتي أمام محل جلوسي، وهذه الصورة عجيبة جداً بالنسبة لي، وهي صورة رسمها أحد الرسامين لفترات مختلفة عن المسجد الحرام، ففي البداية رسم أرضاً خالية تصل إليها أربعة طرق وبعض الجبال، ثم مع بعض البيوت، وبعدها الكعبة مع بيوت أكثر، وهكذا حالات التطور والبناء الذي طرأ على مكة إلى أن تصل إلى هذا الشكل الموجود الآن، عندما أنظر إلى الحالة الأولى التي كانت مكة عليها ـ بل لا أنظر إلى ما سواها ـ أحدث نفسي بأن إبراهيم عليه السلام عندما أتى بزوجته وابنه إسماعيل إلى مكة، كانت مكة على تلك الحالة، وضعهم هناك في هذه الأجواء ثم رحل، فهذا من الأمور العجيبة، لقد أمره الله أن يتركهم هناك ويرحل ولا ينظر خلفه. هذا ما يقال له الحج الإبراهيمي، الحج الإبراهيمي هو أنه إذا وصلنا إلى مكة لا نعود نفكر في شيء من هذا العالم، بل نخرج من جميع هذه الأمور التي كانت لدينا، ونخرج من الاختلافات بيننا.
كنّا في ظهر عرفات في إحدى الحجج فقام مسؤول حملتنا والمرشد لها فشغل الراديو ووضعها على الإذاعة الإيرانية لاستماع أخبار الساعة الثانية ووضعها على مكبّر الصوت، فقلت له ألا تخجل في يوم عرفة تستمع الأخبار وأن فلاناً أصيب وأن و... ألا تخجل من ذلك؟ لكنه تعجّب من كلامي.. إذ ماذا فعلت حتى تعترض عليّ؟! هؤلاء الناس يأتون بعد سبعين سنة ويستمعون في يوم عرفة إلى الراديو بأن فلاناً قد أصيب بطلق، ألا تخجل؟ بعد ذلك أطفأ الراديو. ثم يأتون ويسمون هذا الحج بالحج الإبراهيمي، أي حج هذا؟ فإبراهيم عندما أتى هكذا أتى؟ عندما أتى إلى مكة سلخ عنه جميع التعلقات في الدنيا وجعل نفسه للقرب من الله، وبطبيعة الحال يمكن أن نفهم آثار هذه الأمور ونحس بها.. فجميع تلك الفيوضات التي حصل عليها الحجّاج من زيارة الإمام الحسين عليه السلام وسائر الأعمال التي قاموا بها ذلك اليوم ذهبت خلال هذه الربع ساعة التي استمعوا فيها إلى الأخبار، هذا ليس هو الحج.

    

الالتفات إلى بواطن الأعمال في الحج

الحج هو أن يعلم الإنسان عندما يتحرك نحو الله أنه لا يقوم بأعمال ظاهرية فقط، فجميع هذه الأعمال الظاهرية؛ كالذهاب إلى عرفات ومنى و... لها باطن، وهذا ما علينا أن نفهمه، علينا أن نشعر بهذه الحالة، ما هي الحالة التي علينا أن نشعر بها عند رمي الجمرات؟ عندما يرمي فهذا يعني أن عليه أن لا يدع الشيطان يرجع إليه بعد ذلك. وعندما يطوف عليه أن يعرف على أي أساس تدور حياته من الآن فصاعداً، هذه المسألة هي المهمة. وعندما يسعى عليه أن يعرف أنه يتبع في ذلك السيدة هاجر عندما كانت تسعى للوصول إلى ماء الحياة، علينا أن لا ننسى هذه المسائل، فكل عمل وموقف في الحجّ له حاله الخاص، إذاً على الإنسان عندما يأتي إلى الحجّ أن يخلّي جميع تلك التعلّقات التي كانت لديه في وطنه، ويجعلها جميعها جانباً، وكأنه لا يوجد شيء في الدنيا سواه، وبعد ذلك يأتي إلى مقصوده ومبدئه ليتصل به، والاتصال له شروطه الخاصة، وما دام الباطن مبتلى بالنوم والخيال والتصورات فلن يحصل له الاتصال، حتى لو ذهب مائة مرة إلى الحجّ لن يحصل له اتصال، فللاتصال شروطه الخاصة ومقرراته ومبانيه التي ينبغي العمل على أساسها.

    

وصايا سلوكية للحاج

ومن الأمور التي ينبغي رعايتها هناك مسألة أنّه عند مسيره من البيت إلى الحرم عليه أن لا ينظر إلى شيء مما هو موجود في الدكّان، بل يطأطئ رأسه إلى الأسفل ويمشي. وعندما يكون في المدينة عليه أن يشتغل بذكر الصلوات وذكر لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، وفي مكة يكون ذكره لا إله إلا الله و لا هو إلا هو.
والمسألة الأخرى أن الإنسان في الحجّ عليه أن يسعى وراء الاستفادة القصوى من هذه المشاهد التي جعلها الله تعالى لذلك، إذ كم مرّة قسم الله للإنسان التشرف بالذهاب إلى مكة؟ فلعله قسمها لبعضهم مرة واحدة ولعله قسمها للآخرين أكثر من ذلك، فماذا نفعل نحن هنا؟ نقوم في الصباح ونذهب من سكننا إلى محل عملنا، وبعد الظهر نعود وهكذا، لكن في هذه الأيام (عشرين يوماً أو ثلاثين يوماً) التي قسمها الله لنا بعد هذا العمر ينبغي أن يكون الأمر مختلفاً، لذا على الإنسان أن يستفيد من هذه الأوقات بالشكل المطلوب، فكل من هذه المشاهد له حاله الخاص، فمسجد المدينة له حاله الخاص، مسجد قبا له حاله الخاص، وكذا سائر المساجد، والمسجد الحرام أيضاً كذلك. فعندما يذهب الإنسان إلى مسجد النبيّ عليه أن يعلم بأنه أتى إلى منزله، فحرم النبي هو منزلنا الواقعي، فجميعنا أولاد النبي، وعلينا أن نعلم بأننا عندما نذهب إلى مسجد النبي لا نذهب بعنوان أننا نريد أن نزور النبي صلى الله عليه وآله، بل يجب أن نذهب إليه بعنوان أننا أتينا إلى منزلنا، لذا علينا أن نشعر أننا في منزلنا هناك، وأما هذا المنزل الذي تسكن فيه هو منزل اعتباري، وكلما بقينا أكثر هناك استفدنا أكثر، حتى لو لم نقرأ القرآن، بأن جلسنا جانباً، فهذا مفيد... عندما وفقنا الله للذهاب إلى العمرة منذ شهرين، كنت أذهب إلى مسجد النبي في الصباح وأعود إلى الفندق في العاشرة مساء، وواقعاً كنت أرى أنه إلى أين أذهب لو خرجت من هناك، وكنت أنام بعد الظهر هناك، وكنت أكتب ما كان ينبغي أن أكتبه، وواقعاً كنت أرى أنه إذا خرجت من المسجد فإلى أين أذهب؟ أما في المسجد الحرام فبما أنه كان يبقى مفتوحاً على مدار الساعة فكنت أبقى هناك، يعنى ينبغي أن يشعر الإنسان أنه في هذه الظروف والأجواء.. وأما المسائل الأخرى؛ كالهدايا والألعاب وغيرها فهي موجودة في كل مكان، يمكننا أن نحصل عليها من هنا أو من أي مكان، أما ما لا يمكن الحصول عليه في سائر الأماكن فهو موجود هناك، لذا علينا أن نغلق أعيننا عن هذه الأمور.. نعم شراء الهدايا مستحب وينبغي على الإنسان أن يشتري الهدايا، لكن يوكلها إلى اليومين الأخيرين.
والمطلب الآخر هو أنه على الإخوة أن يلتفتوا إلى أن الكثير من المسائل الثانوية في هذه الأوقات قد حصلت على الأولوية مقابل الأمور الهامة، فالحاج حينما يأتي إلى الحج للعبادة، يأتي مع جبل من التوصيات والمطالب التي تطلب منه، ويبقى يفكر بأن فلاناً ماذا أوصاه وذاك ماذا أوصاه وهكذا... بحيث أنه ينسى المسألة الأساسية التي أتى لأجلها. في أي قانون ورد أن على الحاج أن يشتري هدايا للجميع؟ من قال ذلك؟ نعم، يمكنه أن يشتري لأهل بيته وبشكل محدود فقط، أما أن يشتري للأخ والأخت والعمة والخالة وأولادهم و... فجميع هذه الأمور خارجة عن حدود هذه المسألة، والاشتغال بهذه الأمور يخرج الحاج عن الحالة التي ينبغي أن يكون عليها، إذ سيكون فكره منصباً على أنه ماذا يشتري لفلان ولفلان، وإذا لم يشتر لهم هذا الأمر فقد يتأذوا منه. إذا تأذوا منه لأجل ذلك فليتأذوا، لكن يجب أن تتغير هذه الثقافة بين الناس، أليس من الحيف أن يضيع الإنسان تلك المهلة التي منحت له والتي تنقضي كالبرق بالتفكير ماذا يشتري لفلان ولفلان؟ أليس ذلك حيف واقعاً؟ لذا علينا أن نستيقظ على أنفسنا وأن نعيد النظر في الأمور الموجودة بين الناس. وإذا رأينا أن شخصاً من الأشخاص لا يريد أن يستفيد من الحج حق الفائدة فما ذنبنا نحن؟ فهو لم يرد أن يأخذ المنافع التي منحه الله تعالى منها، فما ربطنا نحن بذلك؟ إذا أراد إنسان أن يكون كذلك فليكن.
والمسألة الأخرى الحائزة على أهمية عالية هي أن لا يقيد الحاج نفسه ببرنامج الحملة في الذهاب والإياب، وكذا الالتزام بأوقات الأكل المحددة عندهم، فقد يكون لدى الإنسان حال ويريد أن يبقى ساعتين أو ثلاث في الحرم فليبقى، فإذا أدرك موعد الأكل يأكل، وإلا ليذهب ويشتر أي شيء ليأكله، هل يجب على الإنسان حتماً أن يجلس إلى المائدة؟ فهل يبقى جائعاً إذا لم يأكل معهم؟ عندما تشرفنا منذ عدة سنوات، كنا جالسين في إحدى الليالي على سطح الفندق مقابل قبة المسجد النبوي ـ وعادة كنا نجلس في الليل على السطح ـ فقال بعض الجلوس: سيدنا لقد وضعت المائدة الآن وقد ينتهي وقتها، فقلت له لا أشتهي الآن شيئاً تفضلوا أنتم واذهبوا.. عندما يكون الإنسان جالساً وعينه على قبة مسجد رسول الله، ويتحدث في مثل هذه الوضعية، يقال: لقد وضعوا المائدة فلنقم.. واقعاً أليس من الحيف أن نفعل ذلك؟ لذا لا ينبغي أن يفكر الإخوة بذلك، فإذا أتوا ووجدوا شيئاً أكلوه، وإلا ليأكلوا شيئاً من الحلوى أو أي شيء يشتروه من الدكان ويسدوا جوعهم به، ولا يولوه أهمية أكثر من ذلك.
كما ينبغي على الإخوة أن يلتفوا إلى أن يسعى كل شخص بالاهتمام بحالته الخاصة، ولا ينظر إلى الآخرين، فقد يكون لدى البعض حال للذهاب إلى الحرم الآن بينما لا يكون لدى الآخر تلك الحالة، فليذهب وحده، ولا يقول عليك أن تذهب معي، أو يذهب ذاك لأجل هذا، بل ينبغي أن يهتم كل شخص بحالته الخاصة له؛ لأن الحالات مختلفة بين شخص وآخر، فقد يكون مريضاً أو رأسه يؤلمه أو ليس له همة الآن للذهاب، فقد تأتيه الهمة بعد ذلك، وعليه أن لا يرى نفسه ملزماً حتماً بالذهاب مع هذا الشخص، لا بل على الإنسان أن يكون لديه حال ورغبة للذهاب، لذا علينا أن نرى ما هو المانع بالنسبة إلينا ونبتعد عنه، ونبتعد عما هو صارف لنا، لكن عندما يكون لدينا حال للذهاب على الإنسان أن يذهب ويجلس ساعة أو ساعتين، أو يذهب من مسجد الرسول إلى مسجد قبا، فعلى الإنسان أن يذهب إلى المساجد هناك أكثر من مرة، ليذهب إلى مسجد قبا ويجلس هناك ويقرأ القرآن إذا أراد أو يقرأ ذكره هناك، وهناك خصوصية لمسجد قبا ومسجد المباهلة (وهو مسجد الإجابة) وآثار كثيرة.

    

وصايا حول المدينة وزيارة الرسول والبقيع

عندما ندخل حرم رسول الله في المدينة علينا أن نفكر فقط برسول الله، ولنعلم أننا في منزلنا وأننا عند رسول الله وأن أمّنا هناك أيضاً، فقطعاً قبر السيدة الزهراء عليها السلام هناك بالقرب من قبر رسول الله، علينا أن نفكر فيه فقط، فلا نفكر في عمر ولا أبي بكر، لا يفكر بهما أصلاً وكأنهما غير موجودين هناك، بل يكون التوجه فقط إلى رسول الله وابنته السيدة الزهراء.
لا إشكال في الصلاة على السجاد هناك، ويمكن أداء الصلاة الواجبة عليها، فالمورد من موارد التقية ولا ينبغي أن يذهب الإنسان إلى مكان فيه بلاط كي يصلي في مكان آخر، بل ينبغي أن يصلي قرب قبر رسول الله ولا يذهب إلى الخارج، ويوجد بين المنبر وبين قبر رسول الله التي هي روضة من رياض الجنة، لذا ينبغي الصلاة ركعتين هناك كل يوم إذا استطاع، وكان المرحوم العلامة يوصينا بذلك ويؤكّد عليها ويأمرنا بالصلاة اليومية هناك.
وينبغي أن تكون زيارة أئمة البقيع عليهم السلام بعد الزيارة في كل يوم، ويجب أثناء الزيارة أن يلحظ الإنسان أنهم تحت ولاية رسول الله لا أن ولايتهم مستقلة عنه؛ يعني أنه عندما يزور أئمة البقيع عليه أن يزورهم بهدوء وصوت منخفض، كم هو قبيح ومؤسف ذلك الفعل الذي يقوم به بعضهم عندما يأتون إلى مقبرة البقيع ويشرعون بالصياح والبكاء واللطم وقراءة العزاء ويقضون بذلك على حال الزيارة، يا أخي اذهب إلى الفندق واقرأ العزاء هناك، لماذا تقرأ هنا؟ وكذا الحال في حرم الإمام الحسين عليه السلام وحرم سائر الأئمة، فذاك المكان ليس مكان صخب وصياح، بل مكان للهدوء، فينبغي أن يكون كل إنسان في حاله الخاص، يمكن للإنسان أن يذهب ويبكي في مكان آخر، يقرأ العزاء في مكان آخر، لا إشكال في ذلك، لكن هؤلاء يأتون وينادون: أيها الغريب أين قبرك؟ وهذا ما يوجب إزعاج الآخرين، وإفقادهم حالهم، يجب أن يكون الإنسان في مثل هذه الأماكن هادئاً ويزور في حالة من السكون والهدوء والسكينة والوقار، وكما ذكرنا عليه أن ينظر أنهم تحت ولاية رسول الله صلى الله عليه وآله لا بشكل مستقل. وعندما يريد الزائر أن يدخل إلى البقيع عليه أن يخلع حذاءه ويمشي حافياً ـ وإن كان هذا الحكم متعلق بالرجال لأنهم لا يدعون النساء تدخل إلى المقبرة، ومن جهة الثواب لا فرق بين الزيارة من الداخل والزيارة من الخارج ـ فعندما يدخل الزائر إلى داخل البقيع يخلع نعله ويتجول في المقبرة كلها حافياً؛ لأن لبس الحذاء يعد إهانة وقلة أدب مع الأئمة، بل لسائر من هو مدفون هناك من أولاد رسول الله وأصحابه الأجلاء ونساء النبي، وأولاد الأئمة المدفونين في أطراف البقيع، لذا كان دأب المرحوم العلامة أن يخلع نعله عندما يدخل البقيع ويمشي فيه حافياً.
والمسألة الأخرى التي كان المرحوم العلامة يذكر بها هي أن يعلم الإخوة بأن رسول الله مشى في المدينة عشرة سنين، وعلى الإنسان أن يعلم بأنه عندما يمشي في المدينة أن رسول الله قد وضع قدمه فيها من قبل، فمن يعيش في مكان عشر سنين ويمشي على أرضه، فلا شك في أن قدمه قد وطأت نقاط مختلفة من هذا المكان، وبهذه النية يتحرك الإنسان، وبذلك يمكنه أن يحصل على بركات كثيرة.
أما في مكة فيجب أن تكون نية الإنسان متوجهة إلى الله تعالى فقط، فكان يقول في مكة والمسجد الحرام على الإنسان أن لا يستحضر في ذهنه أحداً غير الله، وعليه أن يعلم بأن الجميع فانٍ تحت ولاية الله تعالى، ولا يتوجه إلى شيء من المظاهر، وكم هو جميل بالإنسان أن يقضي أكثر أوقاته في المسجد الحرام، ويستحب أن يختم القرآن ولو مرة واحدة في المسجد الحرام أو في مكة، وإن كان الأولى أن يكون ذلك في المسجد الحرام.
الصلاة التي ينبغي أن تصلوها أقيموها في المسجد الحرام، صلاة الليل في المسجد الحرام، في صلاة الليل يقرأ القرآن؛ ويقرأ في كل ركعة بضع صفحات من القرآن أو على قدر استطاعته وحاله، ولا يتكلم هناك، فحتى لو يكن لديه رغبة وحال لقراءة القرآن فليجس ولينظر إلى الكعبة، فالنظر إلى الكعبة عبادة وله آثار كبيرة، وعلى الإخوة أن لا ينسوا صلاة ركعتين كل ليلة في حجر إسماعيل، وخصوصاً تحت ميزاب الرحمة والدعاء هناك مستجاب، وهكذا يستحب الطواف قدر المستطاع فالطواف مهم جداً، والأفضل أن يكون طوافه للنبي صلى الله عليه وآله، فحتى لو كان والده متوفى أو والدته أو أحد أقاربه، فجميع هؤلاء تحت سعة رسول الله، ولتكن نيته هكذا، ومن الطبيعي أن نفعه سيصل إليهم بشكل أكبر.
هذه تقريباً الخصوصيات التي ينبغي للحاج أن يلتفت إليها أثناء الحج وزيارة النبي، نعم، الإخوة مطلعون على خصوصيات المواقف هناك، فعند الإحرام أي حال ينبغي أن يكون لدى الإنسان، وبأي نية يلبس لباس الإحرام، وأنه يستحب قبل الإحرام الغسل، ويستحب الغسل أيضاً قبل الوصول إلى مكة، ويلبي إلى أن تبدو منازل مكة، وكذلك يستحب الغسل قبل الإتيان بالطواف، وكذا سائر التكاليف والمسائل المذكورة في الرسائل العملية والإخوة مطلعون عليها.

    

الأسئلة

س: هل يجب طلب المسامحة من جميع الأشخاص قبل الذهاب إلى مكة، حتى من المعاندين للمذهب والولاية، وكذا لسائر الجيران؟
• ج: يحسن أن يودع الإنسان هؤلاء الأشخاص، فقد يترك وداعهم أثراً إيجابياً فيهم. لكن إذا كان الشخص معانداً وكان عناده عن علم فلا يجب.

س: ما هو حكم الحزام (الهميان) المخيط؟
• ج: فيه إشكال.

س: هل ينبغي على الرجل المرافق لزوجته أن يطوف وحده وبعد فك إحرامه يذهب ويطوف مع زوجته؟
• ج: لا بل يجب على الرجل أن يطوف هو وزوجته، فما الإشكال في ذلك؟ وما ذكر في هذه المسألة هو حرمة النظر بشهوة وسائر الأمور، أما المحافظة عليها والطواف معها فلا إشكال فيه، والمرحوم العلامة كان يوصي بذلك.

س: ورد في كتاب معرفة الإمام نقلاً عن رسول الله أدعية عند رؤية الكعبة وعند والسعي، فهل يمكن قراءة هذه الأدعية؟
ج: نعم يمكن ذلك، طبعاً أثناء الطواف هناك ذكر خاص، وكذا ذكر لا إله إلا الله، والله أكبر مهم جداً، وكذا لا إشكال في الأذكار الأخرى المذكورة في الكتب. وكذلك الأذكار الواردة أثناء السعي، فعندما يأتي إلى جبل الصفا هناك دعاء وكذا هناك دعاء عندما يصل إلى المروة، وقد وردت في كتب الأدعية.

س: في العمرة المستحبة، من هم الأشخاص الذين يمكن إدخالهم في نية هذه العمرة؟
• ج: لقد ذكرت لكم بأنه لا إشكال من أن يشرك الإنسان في نيته العديد من الأشخاص، لكن الأفضل أن يجعل عمرته لرسول الله، أو لإمام الزمان، أو لا ينوي لشخص بعينه، ، بل ينوي الإتيان بالعمرة المفردة قربة إلى الله تعالى، فالله تعالى يتفضل على الأشخاص المنظورين عندي.

س: ما حكم تغيير ملابس المرأة أو مسح وجهها بمنديل أثناء الإحرام؟
• ج: لا إشكال فيه.

س: ما هو حكم النظر المحرم إلى مرآة السيارة أو سائر الأمور ورؤية نفسه من خلالها؟
• ج: لا يجوز ذلك.

س: عند الطواف هل يجب أن يحافظ الإنسان على شعاع الطواف والبعد نفسه عن الكعبة في جميع الأشواط؟ وهل يجب كلمة لبيك الأخيرة في التلبية؟
• ج: كلا، لا يجب ذلك، بل يجب عليه إذا أمكن أن يطوف من داخل مقام إبراهيم، فإذا تحرك أحياناً أقل أو أكثر من ذلك فلا إشكال.
وأما بالنسبة إلى التلبية فالواجب في الفقرة الأخيرة (لا شريك لك) ولا يجب أن يضيف عليها لبيك مرة أخرى.

س: ما هي أفضل الأعمال بالنسبة إلى أمواتنا، وخصوصاً لوالدينا؟
• ج: لا يوجد عمل خاص، بل يكفي أن تذكروهم هناك. والمكان الذي ندعو فيه لوالدينا ـ كما ذكر المرحوم العلامة ـ هو داخل حجر إسماعيل، وتحت ميزاب الرحمة، وكذا يذكر ذوي الحقوق أو سائر الأشخاص والأقارب، أما في غير هذه الأماكن فلا يذكر أحداً إلا الله.

س: ذكرتم في محاضرة الحج السابقة أنه ينبغي أن يحصّل الإنسان العبودية هناك، وبما أن السجود هو أدل دليل على العبودية، فهل هناك ذكر خاص للسجود هناك؟
• ج: لا، بل ذكرت أن يشتغل دائماً بذكر لا إله إلا الله أو لا هو إلا هو.

س: ما هو حكم الوضوء من الماء الموجود في المسجد الحرام ومسجد النبي؟
• ج: بالنسبة إلى المسجد الحرام إذا كان المراد به ماء زمزم وهو كذلك، فلا إشكال فيه، لكن بالنسبة إلى ماء الشرب فالأفضل أن لا يتوضأ به؛ لأن المقصود من الإتيان بذلك الماء هو الشرب فقط.

س: هل يمكن للمرأة الأخذ من حاجبها قبل الإحرام، أو الأفضل أن تتركه كما هو؟
• ج: الأفضل أن تتركه، طبعاً بالنسبة إلى الرجال الأفضل أن لا يأخذوا من شعورهم؛ لا من شعر الرأس ولا من اللحية، والأفضل أن يكون ذلك من أول شهر شوال، وإذا كان الحج هو الحج الأول عند الرجل فيجب عليه أن يحلق رأسه ولا يكفي عن الحلق شيء، وإذا كان حجه حجاً ثانياً فالأفضل له الحلق حتى لو لم يكن واجباً، وقد سمعت من المرحوم العلامة أن من يذهب إلى الحج ولا يحلق رأسه وكأنه لم يحج ولم تترتب عليه آثار الحج.

س: إذا تبدل حج التمتع ـ لسبب ما ـ إلى حج إفراد فهل يكفي عن حج الإسلام؟
• ج: نعم، فالحج الواجب واحد.

س: ما هو حكم التلبية للنساء بصوت مرتفع؟
• ج: يجب عليهن أن يلبين بصوت منخفض.

س: المرأة التي تدخل مكة أثناء عذرها الشرعي وتبقى محرمة، فهل يجب عليها الاجتناب عن محرمات الإحرام في هذه الحالة؟
• ج: نعم، فهي في حالة إحرام، وعليها الالتفات إلى ذلك.

س: ما هو حكم تنظيف الأسنان مع خروج القليل من الدم.
• ج: لا إشكال في خروج الدم أثناء تنظيف الأسنان، لكن على الإنسان أن يسعى قدر الإمكان أن لا يخرج دم. لكن إذا خرج الدم فلا شيء عليه، لأن تنظيف الأسنان والسواك في نفسه مطلوب.

س: إذا قامت المرأة بأعمال الحج قبل منى خوفاً من طرو العذر عليها، فإن استطاعت بعد عذرها من القيام بها، هل يجب عليها الإعادة؟
• ج: لا يجب الإعادة، لكن يقال الأفضل الإعادة.

س: ماذا علينا أن نفعل أثناء الاستحاضة بالنسبة إلى الصلاة؟
• ج: الاستحاضة ثلاثة أقسام: كثيرة ومتوسطة وقليلة، وعليها أن تعمل وفق حالتها بحسب ما هو مبين في الرسائل العملية.

س: هل يمكن أن ينوب التيمم عن الغسل في الحالات الثلاثة المطلوب منا الغسل؟
• ج: نعم.


س: إذا كان المطلوب من المرأة الإتيان بالغسل حال الاستحاضة، فهل يجوز لها قراءة القرآن؟
• ج: نعم، لا إشكال.

س: عندما نكون في مكة والمدينة، فما هي وظيفة المستحاضة بالنسبة إلى الدخول إلى المسجد؟
• ج: إذا كانت مستحاضة لا إشكال في ذلك، أما عند الحيض فيحرم، ولو مجرد الورود والمرور في المسجد الحرام ومسجد النبي، أما بالنسبة إلى المساجد الأخرى فلا إشكال في عبور الحائض فيها.

س: قراءة زيارة عاشوراء في المدينة...
• ج: كنت أريد أن أبين.. لم يرد في المدينة قراءة زيارة عاشوراء، بل على الإخوة أن يلتفتوا في المدينة ومكة وكذا الحال في منى والمشعر إلى قراءة دعاء الصباح صباح كل يوم، إما بشكل فردي أو بشكل جماعي، وكذا قرب مسجد النبي يقرءون دعاء الصباح بين الطلوعين.

س: ما هي الزيارة الأفضل في البقيع؟
• ج: وردت في مفاتيح الجنان زيارة أئمة البقيع.

س: بالنسبة إلى مسجد نمرة وجبل الرحمة ماذا توصون الإخوة؟
• ج: بالنسبة إلى هذا المسجد المستحب الوارد فيه هو ليلة العاشر، أما جبل الرحمة في عرفات فيكره صعوده، بل الأفضل أن يقف على يسار الجبل ويقرأ دعاء عرفة هناك، وقد ورد في ليلة عرفة ويومها زيارة سيد الشهداء عليه السلام والتأكيد عليها، وينبغي أن لا تترك.


س: كيف نزور الرسول والسيدة الزهراء
• ج: ما ورد في المفاتيح من زيارات.

س: إذا ذكر الطبيب بناء على التحاليل التي تجريها المرأة أنها صارت يائسة، فهل يكفي ذلك في إجراء حكم اليائسة عليها؟
• ج: نعم يكفي ذلك.

س: عادة في ليلة عرفة ويومها يحصل وصل للإنسان بالإمام صاحب الزمان، فماذا عليه أن يفعل؟
• ج: هناك الإنسان دائماً في حالة اتصال، ولا اختصاص له بليلة عرفة ويومها، فمن اللحظة التي يخرج فيها من بيته عليه أن يعلم بأنه متصل بصاحب الزمان. وأما أن يطلب الإنسان الإمام الحجة في مكان خاص فهو ليس من مسير العرفان، فهذا من دأب الأشخاص العاديين الذين يريدون اللقاء بالإمام في الطواف أو في عرفة أو في المشعر، فعلى الحاج أن لا يسعى وراء ذلك أبداً، بل عليه أن يشعر في القدم الأولى التي يضعها في هذا الطريق أنه يسعى للوصول إلى الإمام.. فأنت في الطائرة مع الإمام، أثناء جلوسك أنت مع الإمام، وفي المطار مع الإمام، وفي الباص مع الإمام وفي المدينة مع الإمام.. هكذا عليه أن يشعر، علينا أن لا نرى أن الإمام في مكان خاص، بل علينا أن نطلبه في كل مكان في هذا المجلس. لا أن الإمام في ذلك المكان فقط وليس هنا، وعليه فليس من دأب العظماء أن يطلبوا الإمام الحجة في مكان خاص. ولا يوجد أعمال خاصة للقاء به، بل هذه الأعمال التي ذكرتها لكم؛ من البقاء متوجهاً ومتذكراً، وأن لا يشتت ذهنه وفكره هنا وهناك، هذه هي الأعمال التي يمكن للإنسان أن يشعر أنه قرب الإمام عليه السلام.

س: هل الصلاة في عرفات ومنى تامة؟
• ج: كلا، الصلاة في عرفات ومنى قصر، لأن عرفات تعد سفراً ويجب الصلاة قصراً فيها، وكذا في منى، والصلاة تمام في مكانين فقط هما في مكة والمدينة (تمام هاتين المدينتين)، طبعاً بالإضافة إلى مسجد الكوفة والحائر الحسيني أيضاً، لكن لا يصح الصوم هناك وإن كانت الصلاة تامة.
ويوجد في مكة خصوصية وهي أنه يجوز للرجل إذا كان في الصلاة أن تأتي المرأة وتصلي بجنبه وأمامه، فلا إشكال من صلاة الرجل والمرأة بالقرب من بعضهما، حتى لو كانت المرأة أمام الرجل، وهذا من الأحكام المختصة بمكة دون المدينة وغيرها من الأماكن.

س: هل يستحب أن يكون الإحرام للحج قرب مقام إبراهيم، أو يكفي أن يكون في أي مكان من المسجد الحرام؟
• ج: لا فرق بين أي مكان من المسجد الحرام.

سؤال عن الصلاة جماعة مع إمام المسجد الحرام ومسجد الرسول
• ج: لا يمكن للإنسان الاقتداء بالجماعة، لكن من الناحية الظاهرية يمكنه أن يلتحق بهم؛ بأن يجعل عمله موافقاً لأعمالهم وينوي الصلاة فرادى، فيركع ويسجد معهم ويقرأ ويذكر بإخفات كي لا يلتفت إليه أحد.

سؤال حول الأضحية ومباشرة الحاج اختيار أضحيته
• ج: طبعاً من الصعب على الإنسان أن يذهب بنفسه إلى هناك، لكن إذا أمكنه أن يذهب بنفسه أو بأحد إخوانه الذي يثق بهم ويختار أضحية أفضل، فهؤلاء لا يراعون الجهات الشرعية بشكل كامل. عندما تشرفنا إلى الحج قبل أربع سنوات ذهب الإخوة ووكلناهم، وقالوا بأنا ذهبنا وبقينا نبحث مدة من الزمن إلى أن وجدنا أضحية مناسبة وحائزة على الشروط المطلوبة، أما ما فعله النائب عن الحملة التي كنا فيها فكان يذبح دون الالتفات إلى شيء من الشروط المذكورة في الأضحية. وفي هذه الحالة، ينبغي أن يوكل الإنسان من يثق به، أو أن يذهب بنفسه لاختيار الأضحية.


سؤال حول من يموت في الحج هل ينبغي نقل جسده إلى بلده؟
• ج: لماذا ينقل؟ بل يحرم نقل جسد الميت من مكان إلى مكان آخر إلا إلى المشاهد المشرفة؛ كأن يموت إنسان في طهران، ويراد نقله إلى قم أو مشهد لدفنه هناك فلا إشكال حينئذٍ، أما نقل الجسد من ذاك المكان إلى هنا فهو حرام شرعاً، وعليه فمن يموت في المدينة ينبغي أن يدفن في المدينة، وكذا الحال من يموت في مكة يجب دفنه هناك.

• س: هل يجوز للمرأة الحائض أن تدخل مسجد الشجرة للإحرام؟
• ج: يجب عليها أن تدخل من باب وتخرج من باب آخر لعقد الإحرام.

• س: هل يجب أن نطوف طواف الوداع؟• ج: طبعاً نحن نعتبر أن طواف النساء هو عينه طواف الوداع، لكن على كل حال طواف الوداع في نفسه مستحب.

س: هل يمكن الإتيان بعمرة مفردة بعد حج التمتع؟
• ج: كلا لا يمكن.

س: هل يمكن لمس جدران الكعبة أثناء الطواف؟
• ج: ذكرت لكم أنه لا يمكن.

س: إذا لم تعلم امرأة أنها تطهر إلى ظهر يوم عرفة، فماذا عليها أن تنوي عند الإحرام؛ هل تنوي إحرام عمرة التمتع؟
• ج: عليها أن تنوي إحرام عمرة التمتع، وإذا طهرت إلى ظهر اليوم التاسع فبها، وإلا ينقلب إحرامها إلى إحرام الحج، وبعد الانتهاء من أعمال الحج كاملة تذهب إلى مسجد التنعيم وتنوي الإحرام لعمرة مفردة وتأتي بعمرة مفردة.
س: هل يمكن للمرأة الحائض أن تقف خلف حائط البقيع أو في صحن مسجد الرسول؟
• ج: لا إشكال من الوقوف في المكان الذي لا بناء فيه. ولا إشكال من الوقوف خلف مقبرة البقيع.

س: إذا استخدمنا في غسل الإحرام شامبو معطر فهل فيه إشكال؟
• ج: الأفضل أن لا يستخدم ذلك.

س: كيف لنا أن نعرف أننا نتبع الله تعالى في أعمالنا، أو أننا نتبع الشيطان في بعض المسائل التي تواجهنا؟
• ج: لقد بينا ذلك مراراً، نحن لدينا ملاكات ومعايير ينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار دائماً، وهي المعايير التي يمكن أن تحفظ الإنسان من الدخول في حبال الشيطان أو تدخله إلى الحريم الإلهي، من هذه الملاكات هو الإحساس بحالة الروحانية، والتوجه إلى المسألة من بعيد، وجعل الإنسان نفسه مكان الآخرين في خصوص المسألة المنظورة، وبشكل عام لا بد من الاستعانة بالله تعالى في ذلك، وتخلية الذهن، وبعد هذه المطالب إذا لم يحصل للإنسان حالة يطمئن بها عليه أن يستشير الأشخاص الذين معه في نفس المسير ويستعين بهم في ذلك. وعلى رأس جميع هذه المسائل هو أن يوكل الإنسان أمره إلى الله تعالى بشكل واقعي، وأن تكون نيته خالصة له، وقد سمعت أن البعض يجلبون المصائب على رؤوسهم وبعد ذلك يقولون هذا هو التقدير الإلهي فينا، كلا، ليس هذا تقديراً، بل المعايير التي وضعها الله تعالى لنا وكلفنا بها، لكننا نهرب من هذه التكاليف ونرتكب المحرمات ثم نضعها على عاتق التقدير الإلهي لنريح أنفسنا. الأمر ليس كذلك، بل من يقوم بالتكليف على أكمل وجه ويعمل وفق هذه المعايير، عندئذٍ يمكنه أن يقول التقدير هو هذا؛ مثل الذي يجلس في المنزل ولا يذهب للعمل ويقول التقدير الإلهي أن أبقى جائعاً فقيراً، كلا هذا ليس هو التقدير، فحتى لو متّ من الجوع سوف يحاسبك الله على تقصيرك، فالله أمرك أن تخرج للعمل، لكن بعد خروجك للعمل إذا حصلت على شيء أو لم تحصل على شيء فيكون هذا من التقدير الإلهي. أما البقاء في المنزل وعدم العمل فليس تقديراً. وكذا من يمرض ولا يذهب إلى الطبيب للمعالجة، ويقول تقديري أن أبقى في هذا المرض. وكذا من يقول التقدير أن أطيع فلاناً فيما يأمرني به، فيأتي يوم القيامة ويؤخذ للعذاب، فيقول: يا رب ما علمت، فيقال له هلاّ تعلّمت! نعم، قد يذهب للتعلم لكن لا يجد من يعطيه العلم، فذاك أمر آخر، أما أن نجلس فراراً من المسؤولية وفراراً من محاربة الأهواء والأنانيات ونجعلها على التقدير فهذا لا يمكن القبول به عند الله تعالى. وعليه، فعلينا أن نوكل أمورنا إلى الله تعالى ونعمل بما أمرنا به ونطيعه، ثم نقول بأن ما يحصل لنا هو تقدير إلهي.

س: أنا أصلي من جلوس بسبب المرض، فهل يكفي أن أصلي صلاة الطواف هناك من جلوس أو لا بد من الاستنابة؟
• ج: يكفي الصلاة من جلوس هناك، ولا يجب الاستنابة.
وبالنسبة إلى النيابة، فبضعهم يطرح شبهات في أنه لا بد من الاستنابة في بعض الأمور، ويخوفون الناس في ذلك وأنه إذا لم تصح صلاته فهناك تبعات ومشكلات تطرأ عليه. اعلموا ـ وأخبروا سائر الأشخاص ـ أن صلاة طواف النساء كصلاة الصبح تماماً، فإذا قبل الله تعالى صلاة الصبح منا سيقبل صلاة الطواف، وإذا لم يقبل تلك لم يقبل هذه، دون أي فرق بينهما. نعم، الأفضل بل يجب على الإنسان أن يباشر هو صلاة الطواف بنفسه، فالله لم يقل عليك أن تستنيب فيها، بل الاستنابة إنما هي على الذين لا يستطيعون الإتيان بالصلاة بتاتاً، وأنا لا أعلم من الذي جاء بهذه الصلاة النيابية، وطرحها بين الناس وابتلي الناس بها وبمصائبها. عندما تشرفنا في سفرنا إلى الحج التفت إلى أن بعض المسائل تجري هناك، كانت هذه المسألة تسبب للناس الكثير من المشكلات، فقد شرعوا بأخذ المال من الناس على كل صلاة، ولا أعلم كم كانوا يأخذون، والحاصل أنهم فتحوا لذلك دكاناً، وفي يوم منى عندما كنا جالسين أتى رجل وشرع بالبكاء، وقال: يقولون لي إن صلاتك باطلة، وليس لدي مال كي أستنيب به لصلاة الطواف، وقد طلبوا مني مبلغاً كبيراً للقيام بالصلاة نيابة عني، فقلت له: اقرأ لي الحمد والسورة، فقرأها لي، فقلت له على ذمتي صلاتك صحيحة، ولو كانت باطلة فطالبني بها يوم القيامة، وأنا المسؤول عنها، فأخذ بتقبيل رأسي ويدي فرحاً، والحاصل أنه ذهب وبعد قليل أتى شخص آخر واجتمع ما يقرب من ثلاثين شخصاً وقالوا لقد أخذوا منا المال لقاء صلاة الطواف، فضبطت عليهم قراءة الفاتحة والسورة، ورأيت أن قراءتهم صحيحة إلا اثنين لم تكن قراءتهم مجزية وعليهما أن يستنيبا في صلاتهما احتياطاً، فقلت أنا أصليها عنكما، وفعلاً صليت عنهما. والحاصل أنهم قاموا باسترجاع أموالهم والرجوع عن توكيلهم بالصلاة، وخربنا على أولئك المسألة.. هذه الأمور جميعها خلاف الشرع، فالله تعالى قد طلب منا هذه الأعمال وبهذا الشكل، وعلى الحاج أن يأتي بالصلاة بنفسه، فهو نفسه قام بالطواف، وعليه أن يأتي بالصلاة بنفسه، فما معنى النيابة في هذه الحالة؟ نعم، الأفضل للإخوة أن يقرءوا الحمد والسورة أمام الأشخاص الذين يعرفون القراءة والتجويد جيداً، وهذا الأمر واجب ـ قدر الإمكان ـ بالنسبة إلى جميع الصلوات ولا اختصاص لها بصلاة الطواف، لذا عليهم أن يصححوا قراءة الحمد والسورة في هذه الأوقات حتى لا يقعوا في الشك والشبهة، وعلى كل حال في أي مرتبة من الصحة كانت صلاة الطواف فلا إشكال فيها وهي صحيحة. وحتى لو كان الشخص هناك متعباً ومريضاً ولا يستطيع أن يصلي من وقوف، فليصل من جلوس وصلاته صحيحة عندئذٍ، ولا يجب عليه الاحتياط.

س: نطلب منكم الدعاء لنا بالتوفيق للقيام بحج صحيح وكامل.
• ج: أنتم من نطلب منه الدعاء لنا، فأنتم تذهبون إلى المبدأ والأصل، وهناك لا مجال لهذا الكلام بتاتاً، فهناك لا يوجد عالي وداني ولا شيء من هذه الاعتبارات، فالحاج عندما يضع رجله في طريق مكة، عليه أن لا يشعر بوجود أي اختلاف بينه وبين غيره في ذلك، بل الجميع سواء كأسنان المشط تماماً، إنشاء الله عندما يذهب الإخوة إلى هناك عليهم أن يلتفتوا إلى طريقة العظماء وممشى الأولياء في الإتيان بالحج، ويرتبوا أفكارهم على ذلك الأساس، والاشتراك بالمسير والسلوك ووحدة الحال تستدعي أنه عندما ينال أحد شيئاً سينال الآخرين بلا شك، وعليكم أن تطمئنوا بهذا الأمر.
وكان المرحوم العلامة يوصي كثيراً بالجلوس مقابل المستجار في الليالي، ومجرد الجلوس والنظر كاف، وكذا في المدينة. وعليه يكفي أن يجلس الإنسان ويشعر بأن أخاه معه ومتحد معه في مجلسه، وهذا ما كنت أشعر به فعلاً، فعندما أتشرف بالذهاب إلى هذه الأماكن أشعر أن سائر الإخوة معي، وكنت أتساءل بماذا أدعو لهم، فهم موجودون فعلاً، وكذلك الحال بالنسبة للإخوة الذين سيتشرفون، فعليهم أن يشعروا بأن إخوانهم معهم ومشتركون معهم في أعمالهم وثوابهم، غاية الأمر أن هؤلاء ذهبوا وتحملوا مشاقّ السفر وحرارة الشمس، ونحن نستفيد منها حال جلوسنا في المنزل.. نسأل الله تعالى أن يمنحكم ما يمنح خواص حجاجه، وخواص زائري بيته.

سؤال حول المعنى الذي ينبغي أن نستحضره في الطواف، وهل ينبغي أن نستحضر النبي وأمير المؤمنين وصاحب الزمان عليهم السلام.
• ج: عند الطواف هناك جهتان؛ إحداهما أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يطوف هناك، ونفس النبي كان يطوف هناك، وهذه المسألة تفيد بأن أمير المؤمنين والنبي وجميع الأئمة عليهم السلام متساوون أمام الله تعالى، فهنا مقام الإحاطة والقهر الإلهي الذي لا يترك في مقام التوحيد أي اختلاف بين أحد. ولذلك، فعندما يكون الإنسان في الطواف عليه أن يتوجه إليه تعالى فقط.
ومن جهة أخرى، لا بد من الشعور بأنه في مقام الكثرة وفي مقام الجمع بين الوحدة والكثرة إنما ندور الآن حول مقام إمام الزمان عليه السلام، وولاية الإمام هي التي تحفظنا فعلاً وتمنحنا التوجه والبركة، وفي الواقع الدوران حول الكعبة إنما هو للوصول إلى حريم الإمام عليه السلام. كما هو مروي عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله: "إنما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم"[1]، وهذه العبارة عجيبة جداً، فالناس إنما أمروا أن يطوفوا بهذه الأحجار ثم يأتوا إلينا في المدينة ليعرضوا علينا ولايتهم وإيمانهم، يعني أن قبول الطواف والحج مرهون بقبول ولايتنا والقبول بنا دون غيرنا، وأن يروا أننا مؤثرون في جميع مراحل الوجود، هذا هو معنى الرواية، وإلا فإن أهل السنة يطوفون ويذهبون لأعمالهم، والحال أنه لا أثر لهذه الأعمال التي يقومون بها.
إذاً لدينا حالتان الأولى أن لا ينظر أثناء الطواف إلى ما سوى الله تعالى، والمسألة الأخرى عليه أن يعلم بأن هؤلاء هم وسائط الفيض من قبل الله تعالى، وهم مظاهر له تعالى، وعلى الإنسان أن يصل عبر ولايتهم.
وعندما ينتهي الإنسان من أعماله وطوافه وحجه، عليه أن ينوي أن جميع ما قام به من ترك المنزل والحياة العادية وجميع التعلقات والأمور الأخرى إنما هي لمعرفة الإمام.. ويطلب من الله تعالى أن يجعلها مقدمة لذلك.
ويستحب للإنسان عندما ينتهي من الأعمال كلها أن يقف مقابل الحجر الأسود، وإذا استطاع استلام الحجر وتقبيله فذاك أمر آخر، فالحجر الأسود يختلف عن سائر الأحجار الأخرى؛ إذ له فهم ـ طبعاً الأحجار الأخرى لها فهم أيضاً ـ لكن هذا له فهم خاص وشعور وسعته الوجودية بنحو أنه يقبل جميع الأشخاص الذين أتوا إليه منذ أن أنزل هذا الجحر من الجنة في زمن آدم إلى يوم القيامة، ويحفظ مطالب الجميع ويشهد بها يوم القيامة، لذا يستحب أن يقف الإنسان قرب الحجر الأسود ويعرض عليه اعتقاداته، ويقول له أيها الحجر اشهد لي يوم القيامة بأني أعتقد بهذه الاعتقادات، وعليه أن يبين اعتقاده بالله وبالقرآن والكعبة والأئمة عليهم السلام وفيما يرتبط بممشاه ومسلكه، ويطلب منه أن يشهد بهذه الاعتقادات عند الحساب والميزان ويشهد بها، وفي الواقع هو يأتي ويشهد بذلك.

اللهم صل على محمد وآل محمد


[1] ـ الكافي للكليني، ج 4، ص 549.

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی <-- -->