معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني > سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري > شرح حديث عنوان البصري - من المجلس رقم 101 إلى 200 > شرح حديث عنوان البصري ـ الجلسة 169: فلسفة تشريع القوانين والأحكام

_______________________________________________________________

هو العليم

شرح حديث عنوان البصري المحاضرة 169

فلسفة تشريع القوانين والأحكام

ألقيت في 28 جمادى الأولى 1430 هـ

ألقاها:
سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني حفظه اللـه

 

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف تحميل ملف البد دي أف

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد
وعلى آل بيته الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين

    

الرياضات الشرعية مسألة عامّة وليست محصورة في الغذاء

كان الكلام في الجلسات السابقة ـ إن كان الإخوان يتذكرون ـ حول كيفية الرياضات النفسانية، وقلنا: إنّ كلام الإمام عليه السلام وإن كان حول مسألة كيفية التغذية، وحول مسألتين أخريتين أو ثلاث أيضاً، إلا أنّ مسألة الرياضات النفسانية تتعلّق بشكل عام بالأعمال التي تشعر بها النفس باللذّة، وبالأمور التي تشتاق إليها النفس، مهما كان ذلك العمل، سواء كان ذلك الأمر يتعلق بموضوع الأكل أم بأي التذاذ من الالتذاذات الأخرى، فمن هذه الجهة لا يوجد فرق.
من الموارد المهمّة جدّاً والتي تستحق الاهتمام مسألة الزواج، فلابد من رعاية الدقّة فيها، ويجب تعيين حدودها وتحديد ضوابطها؛ حيث أنّه قد وقع الخلاف في تعريفها وبالنتيجة اختلفوا في النتائج التي توصلوا إليها.
فبعضهم اعتبر هذه المسألة مسألة جانبية وثانوية وفرعية تمامًا، فجعلها خارجة عن مسائل الحياة وأحداثها، فهم يرون أنّها مسألة خاصة لها طريقها الخاص ورسومها المختصة بها، ولا تتوافق مع هدف الإنسان ومرامه السلوكي، فهي لها طريقها الخاص؛ نعم اختلفوا في هذه الخصوصيات والطرق التي طرحوها في هذا المقام، فبعضهم اختار هذا الطريق وبعضهم اختار طريقاً آخر.
وهناك من له تصوّر آخر عن مسألة الزواج، فكأنه يرى أن جميع مسائل حياة الإنسان تتلخّص في هذه المسألة.
وكثيرًا ما نسمع أيضًا بعض المطالب والمفاهيم الخاطئة، فكلّ شخصٍ يفسّر المباني بما يحلو له ويوجّهها بناء على ذوقه، حيث أنّ كلّ شخصٍ يعرض ما فهمه من المصادر والمباني على ما تهواه نفسه وتميل إليه، وذلك لكي يجد لنفسه [وأفكاره] توجيهًا وتبريراً من جهةٍ، ولكي يُظهر المسألة بشكلٍ عاديٍّ من جهةٍ أخرى.
من الطبيعي أن ما هو موجود عندنا وما وصلنا من العظماء والأولياء هو طريق الاعتدال، لا طريق الإفراط ولا التفريط، وهذه النكتة هي التي تضع الإنسان على محور من التعادل النفسي، فلا ينحرف ذهنه عن المسائل الواقعية ولا تزلّ قدم أفكاره عن الأمور الحقيقية إلى المسائل الأخرى.

    

ملاكان أساسيّان لتشريع القوانين والأحكام

ملاكان أساسيّان لتشريع القوانين والأحكام
وبشكلٍ عام ـ كما ذكرنا ذلك سابقاً ـ فإنّ أحكام العلاقات الاجتماعية بين الأشخاص توضع وتُعّين في القوانين الدولية على أساس المحافظة على الحقّ الشخصي من دون تعدّ وتجاوز على حقوق الآخرين. يعني هناك ملاكان في قوانين الحقوق الدولية:
الحقّ الأول: هو أن كلّ شخصٍ يأتي إلى هذه الدنيا فله أن يتمتع بالحقوق الابتدائية والأوّلية والضرورية لحياته وتكامله، وقد التفت الجميع إلى هذه المسألة، سواء في العلاقات الدولية أم في حقوق الدول، أم في حقوق الإنسان، فقد اهتمّوا بهذه المسألة، وهي: أن كلّ شخص يأتي إلى هذه الدنيا ويضع قدمه على هذه الأرض يجب أن يأخذ حقّه في التكامل، والنمو، والوصول إلى نقاط الفعليّة التي يمتلكها، وإلى مدارج الكمال، ولا يمكن لأّي شخص أن يمنعه من الوصول إلى هذه النقطة، فهذا القانون شامل للجميع، حتّى الشيوعيّون عندهم هكذا قانون ولا يفترقون عن غيرهم من هذه الحيثية.
هذا من الناحية النظرية وأمّا بالنسبة لكيفيّة إجراء هذه المسألة وفهمها فإنّ سؤالاً يطرح ههنا، وهو: هل هذا القانون الموضوع يساعد الإنسان على التكامل وبلوغ فعليّاته واقعاً؟ أم أنه يؤدي به إلى الانحطاط؟ فهذه مسألة أخرى، ولكنّ الأصل والأساس في القوانين المدوّنة القاعدة التي بُنيت عليها هذه القوانين العالمية ومواثيق حقوق الإنسان يرجع إلى ركنين:
الركن الأول: أنّ لكلّ إنسان في هذه الدنيا أنّ يحصل على الحقوق الأوّلية والابتدائية والضرورية ، وهي تلك الأمور التي لابد منها لكي يديم الإنسان حياته، ولكي يصل إلى ما يصبو إليه ويتوقّعه ( طبعاً المراد هو التوقّعات المحقّة والأمور الطبيعية التي يتطلّبها نفس وجوده في هذه الدنيا).
أمّا الركن الثاني فهو: أنّ القوانين قامت على أساس وهو أن الوصول إلى الحقوق الأوّليّة والضرورية يجب ألاّ يسبب تعديّاً وتجاوزاً على حقوق الأخرين، يعني أنّ الإنسان لأجل أن يصل إلى حقّه فليس له أن يسلب حقّ الأخرين، وبهذه الطريقة تمسي تلك المقاصد والأهداف العالية والغايات الراقية أساساً لمسألة تدوين القوانين الحيوية والمهمّة.

    

التعدّي على حقوق الآخرين ليس منحصراً في التعدّي المادّي

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّه ما هو مقصودنا من "التعدّي على حقوق الآخرين"؟! هل التعدي هو مجرّد صفع الآخر على خدّه؟! وهل التعدي هو مجرّد إسقاط السقف على رأس الآخر؟! هل التعديّ هو أنّهم إذا أرادوا أن يهدموا جدارا ـ مثلاً ـ من دون أن يلاحظوا جهات السلامة بأن يأتوا بـ (التركتور) أو (البلدوزر) أو أمثال هذه الأجهزة المهدّمة.. يأتون بها ويجعلونها تعمل هكذا من دون مراعاة لأصول السلامة؟ فمن المحتمل أن ينهدم هذا البناء بهذه الطريقة، فهذه المسألة كثيراً ما تحصل حيث أن سقف البيت يسقط بسبب عدم مراعاة مسائل السلامة، ويكون ذلك سبباً في هلاك بعض الأشخاص فيها، فهل التعدي يقال لمثل هذه الأمور فقط؟! هل التعدّي هو أننا من أجل أن نصل إلى حقٍ نقوم بحرمان الأخرين من الاستفادة من هذه الإمكانات؟ هل من أجل الوصول إلى الحق نقوم بجعل استعدادات الدولة وإمكاناتها تحت تصرّف عدّة أشخاص مخصوصين؟ هل هذا هو التعدّي بنظر القوانين العالمية وشرائع حقوق الإنسان فقط، أم أنّ المسألة أعلى من ذلك؟ يعني هل التعدّي على حقّ التكامل المعنويّ في المجتمع يعدّ تعدّياً على الآخرين أيضًا؟ ههنا من الممكن ألاّ تقدر مواثيق حقوق الإنسان الوضعية والقوانين الماديّة المعاصرة على فهم هذه المسألة وإدراكها، وبالتالي ستكون عاجزة عن تقديم قانون متكامل للمجتمع البشري يراعي الركنين اللذين أشرنا إليهما قبل قليل.
فمثلاً افرض أنّ للشخص الحقّ أن يظهر في المجتمع بالكيفيّة التي يرغب بها، ذلك هو حقه! فهو لا يتعدى على أحد ولا يسد الطريق عليه ولا يتسبب في إعاقة مسير الآخرين، هذا هو حقّه، فمن حقّي أن أخرج في الخارج سواء بلباس أو من دون لباس.. وأنا عريان، فحقوق الإنسان لا يمكنها أن تقف مانعاً أمام هذه المسألة؛ فالقانون الذي دوّن عندهم وصُوِّب يعطي هذا الحقّ لكلّ أحد، ولذا نحن نرى أنّ هذا الأمر ظاهر في الدول التي قامت بتدوين القوانين الدولية وميثاق حقوق الإنسان وتبنّتها، حيث تجدهم يقومون في مجالسهم التشريعية بتدوين قوانين تسمح بالحرية من دون أي قيد أو شرط، ويقولون: (إن ذلك مطابقٌ لحقوق الإنسان! ما هي المشكلة في ذلك؟! فلا مشكلة في أن يخرج الإنسان بالكيفيّة التي يشاؤها، فذلك حقّه الطبيعي وتلك هي حياته، فهو لا يسدّ الطريق على أحد، ولا يمنع أحدًا، ولا يقطع الطريق على أحد، وبالتالي فهو حرّ سواءً خرج بلباس أسودٍ أو أبيض أو أصفر، أم خرج من دون لباس).
أو على سبيل المثال في العلاقات الاجتماعية من حقّ كلّ أحدٍ عندهم أن يقيم تلك العلاقة الشخصية لكي يطفئ غرائزه بالكيفية التي يشاؤها، ولا يستطيع أحد أن يمنعه من ذلك، طبعًا في الحالات التي يكون فيها تعدٍّ ويكون فيها تجاوز عنيف، ففي مثل هذه الحالات لابدّ أن يُمنع، أو في الحالات التي يكون فيها عمله مانعاً لشخصٍ آخر من أن يصل إلى حقّه فيجب أن لا يسمح لهم بذلك، فهناك موارد لابد من أن يُمنعوا فيها.
ومن الجدير بالذكر أنّ مثل هذه الموارد قد اهتم بها في الإسلام أيضاً؛ فمثلًا: في مسألة زواج البنت ـ فالولد في هذه المسألة حكمه يختلف عن البنت ـ إن كانت البنت رشيدة، وهي التي تكون بنظر العرف وبحسب تشخيص أهل التخصّص قادرة على تحديد ما يصلحها وما يفسدها، ولا تكون واقعة تحت تأثير الإحساسات، أي لا تكون واقعة تحت تأثير الظواهر الخدّاعة، ولا تكون واقعة تحت تأثير الكلمات والوعود ـ فالآن عادة ما تُخدع الكثير من النساء بواسطة الكلام الكاذب والظاهر الخادع البرّاق والحيل الفتّانة، وتتأثّر بذلك، ومع ذلك تجد الواحدة منهنّ تسمّي نفسها "رشيدة" ! ـ بل لا بد أن تكون بحيث عندما يتحدّث معها شخص أو يتحدث إليها إنسان ويُقيّم مستوى فهمها، فإنه يشعر أنها مسيطرة على أمورها ومسائلها، و مسلّطة على فهمها وإدراكها فهي تتحدّث بنحو من الاطمئنان، في هذه الحالة إذا كان الأب مانعاً وأراد أن يقف أمام زواجها فالشرع لا يعطيه مثل هذا الحقّ، فتلك الإجازة التي أعطاها الشرع للأب هي عندما لا تكون البنت قد وصلت إلى حدّ الرشد، مثل ذلك الرشد الذي ذكرناه، ولا يُحدد هذا الرشد بالعمر كعمر العشرين أو الخامسة والعشرين، فالأشخاص مختلفون، فمن الممكن أن يكون هناك بنت عمرها ثمانية عشر سنة ولكنّها من جهة فهمها تملك معياراً وميزاناً كاملاً ومرتبة عالية، فهي مطّلعة وتعرف كيف تقيس الأمور، ولا تُخدع بسهولة، وهي تستطيع أن تدرس مسائلها المستقبلية وتقرّر بشأنها بحكمة؛ ولكنّ بعضهنّ مع ما لهنّ من عمرٍ متقدّم فإنهن يركنّ إلى الإحساسات والمشاعر، فالأشخاص ليسوا على نحوٍ واحد، وتشخيص ذلك إنّما تكون بواسطة أهل الخبرة الذين يقدرون أن يعطوا رأيًا في هذا الموضوع.
حسناً، إلى هذا الحدّ وفي مثل هذه الأمور نجد أنّ القوانين الوضعية لها رأي فيها، فهذا التعدّي في مثل هذه الموارد يُعدّ أمراً غير مقبول في نظر القوانين الوضعية أيضاً.

    

قصور القوانين الوضعية في التشريع للعلاقات الاجتماعية

ولكن لو نظرنا إلى أمور أخرى مثل العلاقة الخاصّة بأيّ نحوٍ كانت وبأيّة كيفية؛ سواءً كانت علاقة بين رجل وامرأة أم بين جنسين متماثلين؛ ههنا سنرى أنّه ليس لقوانين حقوق الإنسان أي دخل بهذه المسألة، ولا ترى فيه أمراً يجب التدخّل فيه، فهي تقول: (هذا حقّهم وهم أحرار، يختارون ما يشاؤون، والأمر إليهم)، ومن هنا نرى أن مثل هؤلاء الأشخاص لا يلتفتون إلاّ إلى الجنبة الماديّة من المسألة، دون أن يلتفتوا إلى أنّ هذا القانون سيوجب شيوع هذا الأمر في المجتمع.. فمثل هذا ليس لهم به دخل، لا يهتمّون بأن يشعر كل أفراد المجتمع بالأمن القانوني والأمن الحقوقي.
فلو أن مجتمعًا بأكمله أراد أن يرجع إلى الحالة التي كان عليها قوم لوط فإنهم يقولون: (ليكن ذلك! فهذا حقهم! فمن حق الناس أن يختاروا! وليس لأحد أن يمنعهم)، ويعدّون ذلك من حقوقهم الأولية.
وهذا يكشف لنا أنّهم لم يفكّروا في المجتمع في حدّ نفسه.. في بقائه وحياته، ولم يفكروا في الأشخاص الذين يولدون في هذا المجتمع وينشؤون فيه، وليس لهم اختيار وانتخاب في حوادث ووقائع هذا المجتمع؛ مثل الأطفال المعصومين.
فلو كان شخص عمره ثلاثون سنة، واختار أن تكون حياته بشكل معيّن فيُقال له: حسناً جدًا، اذهب واعمل ما شئت! أمّا أولئك الأشخاص الذين هم بشر وأناس، وعندهم القابليّة لأن يرتقوا إلى المراتب العالية والسامية ومراتب التجرّد، فما هي الإجراءات التي اتّخذتها حقوق الإنسان لهؤلاء الأشخاص من أجل رقيّهم وتطوّرهم في مثل هكذا مجتمع ومع هكذا ثقافة وبمثل هذه القوانين؟!
فكيف يقولون بأنهم قد راعوا في جعل القوانين مصالح هؤلاء؟! فيا من تجعل القوانين، وتقول مثلاً: من حقّ كل أحد أن يخرج إلى المظاهرات [عارياً دون ستر]، و من حقّه أن يخرج للشوارع بهذه الكيفية، ويبرز أمام الملأ بهذا الشكل، في بعض البلدان لا إشكال أن تظهر بهذا الشكل وبهذا النحو، فأنت بوضعك لهذا القانون قد راعيت هؤلاء الأشخاص الذين هم هكذا ويريدون أن يبقون مثل الحيوانات.. مثل الحمار أو الدبّ، وبالنسبة لهؤلاء فلا إشكال، فالشخص الذي يقدِم على هذا الأمر بنفسه فهو حيوان.
ولكن بالنسبة لأولئك الذين يريدون أن يعيشوا في مثل هكذا مجتمع، كالأطفال الذين يريدون أن ينشؤوا هناك، فهذا بشر ويريد أن يعيش في هذه المدينة، فهل عليه ـ لكي يعيش كبشر ـ أن يخرج من هذه المدينة ؟! أم هل يتوجّب عليه ألاّ يخرج من منزله؟! ألا يجب عليه أن يحصّل رزقه؟! هل عليه ألاّ يشتري اللحم ولا يذهب إلى السوق؟!

    

الأمن الاجتماعي يعني توفير الفرصة المناسبة لكل فرد حتى يتكامل

هذا هو الأمن بلحاظ المجتمع أي الأمن الاجتماعي، فالمجتمع في حدّ نفسه له حقّ. المجتمع هو تلك البيئة التي يستطيع فيها كل شخص أن يجد لنفسه طريقًا نحو نقطة كماله الخاصّة به، ففي الجانب العلمي مثلاً لا يكون هناك حدّ أو حاجز بحيث لا يمكن للإنسان أن يتجاوز ذلك الحدّ.. لا يكون هناك مانع له في ذلك المجتمع يمنعه من الارتقاء العلمي، وينبغي أن يكون تحصيل العلم على السواء بالنسبة للغني والفقير، وأن يكون الوصول للمراتب العلمية العالية لجميع أفراد المجتمع بشكل متساوٍ؛ لماذا؟ لأنه لا ذنب للفقير في كونه فقيرًا.
فالفقر يكون تارة بسبب إهمال الشخص لنفسه وهو يوقع نفسه في البطالة وهذه الأمور، ففي هذه الحالة يُحرم من كثير من الأمور، ولكنّه تارةً أخرى يكون فقيرًا وليس عنده مال بسبب وضعيّته وموقعيّته والحوادث التي جرت عليه، والظروف التي أحاطت به دون اختيار منه، فأضحى من الطبقة العادية بسبب المسائل التي جرت عليه. مثل هذا الشخص له حقّ أن يعيش في المجتمع وله حقّ أن يتطوّر ويتكامل، وأن يصل إلى ما يقتضيه استعداده.
إن كان هو لا يطلب أكثر من ذلك، فهو لا يريد، وهذا لم يعد تقصير أحد، ولكن وظيفة المجتمع أن تؤمّن جميع الإمكانات ـ من جميع النواحي ـ لابن تلك العائلة الفقيرة و أن توفّر له الفرصة التي أمّنتها للفرد الغنيّ. وبعد ذلك فإن وصل الشخص لتلك الرتبة وذلك الكمال فبها، وإن لم يصل فالتقصير ليس من المجتمع والدولة، فاختيار ذلك يرجع لإمكانات نفس الفرد. وكذلك الأمر بالنسبة للحصول على المسائل الأخرى، مثل المسائل الصحيّة ومسائل السلامة وأمثال ذلك، فكل الإمكانات التي تُجعل تحت تصرف الفرد الغني في المجتمع يجب أن توفّر كذلك للفرد الفقير من دون أيّ تفاوت؛ لأنّه من حقّه أن يعيش في هذا المجتمع ومن حقّه أن يتكامل فيه.
وكذلك بالنسبة للأمور المعنوية، فافرض أنّ هناك شخصًا يستطيع أن يطوي المراتب العالية، فلا يحقّ لأحدٍ أن يمنعه من أن ينتخب طريقه لأجل الوصول لتلك المراتب، [فقول البعض] لماذا هذا الشخص في هذه الجماعة؟ ولماذا هذا الشخص في تلك الجماعة؟ ولماذا هكذا وليس هكذا؟ كل هذه الـ "لماذا " نابعة من ضيق أفقنا، وعدم التفاتنا للحقوق الأوّليّة والضروريّة والبديهيّة لكل فردٍ في الوصول لمراتب التكامل والرقيّ.
نعم؛ بالنسبة للمذاهب والتوجهات الموجودة في المجتمع التي تكون من حيث الفساد الثقافي والفساد الأخلاقي مورداً لاتفاق الجميع؛ يعني أن الجميع يقولون بأن هذا المذهب هو مذهب خاطئ، وهذا المذهب هو مذهب منحرف، ففي هذا المذهب تطرح المسائل الفلانية ـ وقد وُجد الكثير من هؤلاء في السابق، وهم موجودون الآن، ومِن أولئك مَن يسيئون الاستفادة من بعض العناوين مثل عنوان "الرقي الروحي" أو "المسائل السلوكية" وأمثال ذلك، فيقومون بأعمال مخالفة للشرع وحرام، ويعملون أمورًا غاية في القبح والوقاحة ـ فمن الواضح أن أمثال هؤلاء لابد أن يواجهوا ويوضع لهم حدّ.
أمّا أن يمنع الإنسان تيّاراً معيناً بمجرد عدم الموافقة لذوق مجموعةٍ ما، أو بسبب المخالفة لما تستحسنه فئةٌ ما، فهذا خلاف الشرع وحرام.
لابد من تهيئة الطريق للحركة المعنوية والسير المعنوي والسير الروحي بموازاة الحركة في المجالات الماديّة والاقتصاديّة والصحيّة والمسائل العاديّة العامّة في المجتمع، وأن يكون ذلك لجميع الأشخاص، وأن يترك الاختيار لنفس الشخص. كما أنّه لا يحقّ لأحدٍ أن يمنع شخصاً من المشاركة في مجلسٍ من المجالس، افرض الآن في هذا لشارع يوجد ثلاثة مجالس مثلًا للعزاء في الأيّام الفاطمية، فلكلّ شخصٍ أن يشارك في أي مجلس منها كما يحبّ.. في هذا المجلس من هذه الساعة إلى هذه الساعة، وفي هذا المجلس القارئ هو فلان، وفي هذا المجلس الخطيب هو فلان، وفي المجلس الآخر شخصٌ آخر، وفي المجلس الآخر الشخص الفلاني، فلكل شخص أن يختار، أحدهم يقول: أنا يعجبني هذا أكثر، والآخر يقول: أفضّل ذاك المكان أكثر، فلا تفرُق المسألة.
و من هنا، فلا يحقّ لأحدٍ أن يمنع شخصاً من التيار الذي ينتخبه لنفسه بعنوان كونه مسيره المعنوي وحركته المعنوية؛ وإذا حاول منعه من ذلك، فقد ارتكب عملاً محرّما مخالفًا للشرع، اللهمّ إلاّ أن يكون ذلك التيار ـ كما بيّنا ذلك ـ من الجهة الأخلاقية ومن الجهة السلوكية العملية تياراً فاسد العقيدة ومنحرفاً ومخالفاً للشرع البيّن بنظر أهل الفهم والاستنباط، لا بنظر مجموعةٍ خاصّةٍ أو أهل ذوق خاصّ، إذ ليس من حقّ مجموعةٍ خاصّة أن تأتي وتفرض وتعيّن التكليف للباقين؛ لا، بل بشكلٍ عامّ بحيث لو سُئل أيّ فرد متديّن عنهم لقال: أفعال هؤلاء مشبوهة. وهؤلاء الأشخاص كانوا موجودين بكثرة في الزمن السابق، والآن هم متواجدون في بعض البلدان في الخارج، مثل بعض المجموعات المدعيّة للعرفان التي تأتي بأشنع وأوقح الأفعال المتصوّرة، فهؤلاء وضعهم معروف وحالهم واضحة وسبيل التصرّف معهم بيِّن.
وأمّا في غير هذه الموارد مثلاً لو كان هناك شخص اختار طريقاً ما ومضى فيه، فعلى المجتمع أن يهيّئ له أجواء الأمن الكاملة، وهو ـ بعد ذلك ـ وبحسب فهمه إن لم يرد أن يمضِ فالأمر راجع إليه، فهو يريد أن يذهب إلى هناك ولا يريد أن يذهب إلى هنا؛ فهل الأمر بالإجبار؟! هل الأمر بالضغط؟! فما هذا المنطق وهو أن يقوم عدّة أفراد بأخذ القرار عن الجميع، وعلى جميع الأفراد أن يكونوا تابعين لمجوعةٍ واحدةٍ وتيّارٍ واحدٍ؟! ما هذا ؟! هذا لا معنى له!
يجب أن يكون الجميع أحراراً في اختيارهم، فمن إحدى خصوصيّات حوزاتنا العلمية الآن، وهي من الخصوصيات البارزة فيها، هي أن كلّ شخص حرٌّ في اختيار أستاذه، فمثلا لو كان هناك عشر حلقاتٍ درسيّة، فإن لم تعجبك إحداها فلك الحريّة أن تذهب للأخرى، فإن لم تعجبك الثانية، فلك أن تذهب للأخرى... وهكذا.
قال المرحوم والدنا: عندما أردت أن أدرس المكاسب ذهبتُ إلى أحد العلماء (وقد توفّي طبعاً وانتقل إلى رحمة الله، وقد كان هذا الشخص الذي يتحدّث عنه عالماً فاضلاً متضلّعاً تقيّاً)، يقول السيّد العلاّمة: ذهبنا إليه وبدأنا معه بدراسة كتاب المكاسب، وفي اليوم الأول قبل أن يشرع بالدرس بدأ بذكر الإشكالات التي ترد على هذا الدرس، فقلت له: اشرح الدرس أوّلاً ثمّ ابدأ بإيراد الإشكالات التي ترد على الدرس، أو نقد الإشكال المطروح، إذ ليس مناسباً أن تبدأ بطرح الإشكالات على الدرس وأنت لم تشرع بشرحه وتدريسه بعد! وهكذا فإنّ طريقة شرحه وكيفية بيانه لم تعجبني، فلم أحضر في درسه بعد ذلك.
يقول رضوان الله عليه: وفي اليوم التالي نظرت من الطابق العلوي (حيث إن حجرة سماحته كانت في نفس مدرسة الحجّتية) فرأيت ذلك الشخص يمشي مع عدّة من التلاميذ في المدرسة بحثاً عني ويقولون: أين هو؟! ولم أذهب بعدها.
وكان يقول أيضاً: لقد ظللت خجلاناً دائما لأجل أنّني لِمَ لَمْ أذهب لأرى حقيقة الدرس قبل الالتحاق به ثم بعدها ألتحق به إن كان يوافق ما أريده، فذلك أفضل من أن أتورط به هكذا. والمكاسب كما يعرف الأصدقاء ليس كتاباً من صفحة واحدة أو صفحتين، بل دراسته يحتاج لسنتين أو ثلاث سنين. وقال رضوان الله عليه: الخلاصة أنّني لكي أدرس درس المكاسب غيرت سبعة عشر أستاذاً. فإذا كان الأستاذ الأول غير مناسب للإنسان ولم يعجبه، فعليه أن يذهب لشخص آخر، فإن لم يعجبه الثاني، يذهب لآخر إلى أن يصل إلى مكان يكون فيه ذلك الشخص مقبولاً بالنسبة له.
فمثلاً لو كان هناك شخص يقول: هذا الذي لم يعجبك أسلوبه قد أعجبني أنا، وإني أراه أحسن من الجميع، فمثل هذا فليتوكل على الله وليشرع بالدرس، ولا إشكال في ذلك.
وبالمناسبة فإنّ هذه المسألة ـ وهي مسألة اختيار الأستاذ ـ من المسائل التي تتميّز بها الحوزة العلمية على باقي المجامع العلمية والجامعات، فالشخص حرّ فيها، فإن أحبّ أن يذهب إلى هذا الأستاذ ذهب وإن لم يحبّ، لم يذهب؛ نعم لا أدري ما هو وضع الجامعات الآن في هذه الأيام؟! إلاّ أنّه في السابق كانت هكذا، حيث كان الطالب مجبوراً على الأستاذ.

    

حرّية الاختيار واحترام الإنسان في مدرسة العرفان

هذه المسألة نفسها تنطبق على سائر الموارد بنفس الكيفية، يعني أنّ الشخص حرّ في انتخاب مسير حركته المعنويّة، ولكلّ شخص أن ينتخب مسيره على أساس معلوماته واستيعابه، تلك المعلومات التي جمعها من جهات مختلفة، وأوصلته تلك المعلومات لأن يختار هذه النتيجة. حسنا لماذا يَعذِل الإنسان الآخرين؟! ولماذا يلومهم؟! لماذا يعيب عليهم؟! إن كان الشخص الآخر قد أخطأ فما المشكلة في ذلك؟! لا يوجد مشكلة. فالواجب على الإنسان أن يُخرج الطرف الآخر من خطئه، أمّا أن يأتي ويمنع تيارًا مّا لكي تجري الأمور طبقاً لتفكيري وآرائي، فهذا ليس صحيحاً، وليس مقبولاً.
ذكرت لكم في الجلسات السابقة، أنّ الإمام الصادق عليه السلام كان يمشي مع أحد أصحابه، فخرجت جارية ذلك الشخص معهما لكي تساعده بأن تأخذ الأشياء التي يشتريها وتجلبها، فلفت شيء انتباهها فجأة وابتعدت عن سيدها، فرجع ذلك الشخص ولم يجدها وبدأ يكيل الشتائم لها، فوقف الإمام عليه السلام غاضباً وغير راضٍ، وقال له: لماذا تشتم هذه المرأة؟! فقال له الرجل: إنها نصرانية يا بن رسول! ـ حسنًا وإن كانت نصرانية فهذا هو دينها، فلتكن نصرانية، إنه دينها، فهذا هو الدين الذي قد اختارته، (أنا الذي أقول هذا الكلام وأما الإمام فلم يقل ذلك) فحقّانية دين الإسلام لم تتضّح لها بعد، فبأيّ حقّ تهين شخصًا مسيحياً؟! وواقعا هذه المسألة مسألة عجيبة، هل لنا الحقّ بأن نهين شخصًا مسيحياً ؟! هل لنا الحقّ بأن نهين شخصًا يهوديًا ؟! هل لنا الحقّ بأن نهين حتى شخصًا ليس متديناً بدين؟! طبعا أنا أتحدّث عن الشخص الذي لم يتدين بدين لا عن عناد وغرض ـ التفتوا ـ بل بسبب عدم فهمه، فهو لا يفهم.. هو لم يدرك الله، وذلك بسبب الوضع والجوّ المحيط به وحياته والمحيطين به.. بسبب ذلك هو لم يدرك ذلك الحق، ولكن هل هو إنسان أم لا؟ هل عنده قابليّة للهداية أم لا؟ فالكلام هنا، وهو ما الفرق بين ذلك الشخص الذي لا يعرف حتّى الله، ولكن لديه القابلية للهداية، مع ذلك الشخص الآخر الذي وُضِع في أجواء بحيث صار يعرف الله ويعرف رسول الله ويعرف أمير المؤمنين، ويعرف التشيّع؟ ما هو الفرق بينهما؟! إذا كان بينهما فرق فلماذا وردت عندنا تلك الآيات والروايات الكثيرة حول المستضعفين بأنّ حسابهم يختلف عن حساب البقيّة؟! هل المستضعفون يعيشون على كوكب المريخ؟! لا، إنهم ههنا، على هذه الأرض، في هذا المكان، فيما بيننا، جيراننا، أصدقاؤنا، يمكن أن يكونوا هؤلاء منهم، يمكن أن يكونوا لم يفهموا، فإنهم قد وُضعوا في أجواء لا تتناسب مع التديّن والتشيّع، ولكن عندما تختلف تلك الأجواء وتتغيّر علاقاته تراه يتغير، فالإنسان يشعر بهذه المسألة ويراها.
عندما يلاحظ الشخص تصرّفات الأولياء والأنبياء الإلهين مع الأشخاص غير المتديّنين فإنّه يشعر بأنهم يتعاملون مع شخص متديّن، فلماذا نتأخّر نحن عن القافلة؟! لماذا نسلك طريقًا آخر؟! فعندما يكون الارتباط في الأديان الإلهية والفطرة السليمة على أساس الإنسانية..على أساس الصدق والصفاء ـ أمّا الشخص الذي يكون عنده عناد وغرض ومرض فهو ليس محل كلامنا وهو متخلّف عن الركب ـ فما الفرق حينها بين الشيعي والسني والمسيحي واليهودي وباقي الأشخاص؟! الجميع في مرتبة واحدة؛ لأنّ المعيار هو الخلوص والصدق، والمعيار هو ذلك الفهم الذي حصل عليه بحسب البيئة المحيطة به والوضع والأجواء التي وضع فيها ذلك الشخص، والفهم الذي حصل عليه بسبب تلك الأمور التي هي حوله، فهكذا شخص لا تقصير عليه حينها.
ان شاء الله، وإذا وفقنا الله عندي نيّة أن أذكر هذه المسائل في ذلك الكتاب الذي وعدنا به منذ ست سنوات أو سبع، والذي أعمل عليه فعلاً ولكنّي إلى الآن لم أكتب منه أكثر من سبعين صفحة، وهو كتاب "الارتداد في الإسلام" وسنطرح هذه المسائل هناك وسنوضّح بشكل عام، بأنّ نظر أهل المعرفة بالنسبة للإنسان بما هو إنسان تختلف أصلاً مائة وثمانين درجة عمّا سمعناه إلى الآن، وعمّا هو مقبول في كثير من الأوساط.
فإن نظر أهل المعرفة للإنسان وللموجود الذي جعله الله مستحقاً لظهور وبروز أسمائه.. فإن نظرهم ليس لمجرّد التصرفات والأعمال الظاهرية، وليس لمجرّد بعض الأمور العاديّة التي يشاهدها الإنسان، مع أن خلفها يكمن ألف غرض وعلّة، فليس نظرهم لمجرد الظاهر المنمّق.
كما يقول ذلك الشاعر:
ظاهر همچون بوذر وسلمان بود
                             باطنش همچو ابو سفيان بود
ظاهرش چون گور كافر پر حلل
                             باطنش قهر خدا عز وجلّ

يعني: (ظاهره كظاهر أبي ذر وسلمان، لكنه في الباطن يمثل كفر أبي سفيان و ظاهره كقبور الكافرين مليء بالحُلل لكنّ باطنه عذاب الله عزّ وجلّ)

    

الثقافة المادية لا تراعي الجانب الإنسانيّ

هؤلاء المسيحيون عندما يدفنون موتاهم ترى أن تابوتهم مليء بالحليّ والزينة، لدرجة أنه يكون أغلى من نفس الجنازة.. ذلك الخشب وتلك الأمور.. عجيب واقعاً، تلك الأديان وتلك النظرة الماديّة عجيبة حقاً، هذه النظرة نظرة عجيبة جدّاً!
قال المرحوم العلاّمة يومًا ـ لا أدري هل ذكرت هذه القضية للرفقاء سابقاً أم لا؟ اليوم الصبح جاءني شخص فخطرت في بالي فجأة، وشككت هل قلتها أم لا ـ على كل حال ليس ذكرها مضرّاً في بحثنا هذا:
كان المرحوم البروجردي شخصًا ذا شأن عظيم جدّاً، فقد كان من الناحية العلمية متفوّقاً على الكلّ، وكان واقعاً شخصًا يستحق أن يُقال عنه أنه مرجع، ويصلح للمرجعيّة.. المرحوم البروجردي هو من يصلح للمرجعية، ومن ناحية صفاء الباطن وصفاء الروح أعرف عنه حكاياتٍ.. حتّى أنّي لم أنقل كثيراً منها.
نعم بالنسبة لمسائل العرفان والمسائل المعنوية والمراتب العرفانيّة العالية فالله أعلم بها، فليس لدينا اطّلاع عليها. على كل حال كان شخصًا مخلصاً، وصادقاً، رحمه الله تعالى.
كان قد ذهب المرحوم الشيخ مهدي المحقّقي أو المحقق من طرف المرحوم البروجردي إلى ألمانيا في مدينة هامبورغ، وكان متصديّاً هناك لمؤسّسة ومسجد لفترة من الزمن، وكان يقوم ببعض الأعمال هناك، وكان شخصًا موفّقًا أيضاً. وعندما كنّا عائدين من إحدى السفرات نقل لنا المرحوم الوالد قائلاً: عندما جاء الشيخ مهدي إلى إيران ذهبنا لرؤيته، وكان منزله في ذلك الوقت في شارع "بيروزي" حسب ما أتذكّر. ومن ضمن المسائل التي نقلها (الشيخ مهدي) قال: إن العلاقات في الغرب مبتنية على أساس الروابط الماديّة بشكلٍ كاملٍ، فليس للروابط المعنوية والروحية أيّ معنى عندهم، فالقانون هو من يعيّن التكاليف للأشخاص؛ أنت عليك أن تفعل كذا وأنت عليك أن تفعل كذا ـ طبعًا سنصل نحن إلى هذه المسألة خلال كلامنا ـ فمثلاً يقول أحدهم: لا تقم أنت بهذا العمل، وإلاّ فسأقوم أنا بالعمل الفلاني بالمقابل، إن قمت بهذا العمل فسأقوم أنا في المقابل بالقيام بذلك العمل! يعني كلا الطرفين يتعاملان مع بعضهما بحسب القانون، و هكذا فإنّ حياتهم مبنيّة على ذلك واقعاً، لا أنّ هذا مجرّد كلامٍ يقولونه ولا يطبّقونه.
يقول الشيخ مهدي: أحد الأشخاص هناك دخل في الإسلام؛ بسبب محاورتنا له، فترك المسيحيّة وصار من المسلمين الشيعة، لكنّ عائلته لم يدخلوا الإسلام، وخوفاً من أن تُصدم عائلته، كتم اعتقاداته عنهم في المنزل، وكتم صلاته كذلك، فقد كان يصلّي بعض الأحيان في المسجد، وكان ارتباطه بالمسائل الدينية والإسلامية فقط من خلال المسجد ولم يكن يعمل تلك المسائل في المنزل، ولكن في أواخر عمره مرض وشعر بأنّه لن يجد خلاصاً من هذا المرض فصار يصلّي هناك علناً، لدرجة أنّ عائلته أتت لي مبدين استياءهم من ذلك، فقلت لهم: ألستم تدّعون الديمقراطية؟! إذاً فكلّ شخص حرّ في اختيار دينه.
[يقول سماحة السيد]: هؤلاء يقولون عن أنفسهم بأنهم ديمقراطيون، وهم أنفسهم لا يؤمنون بالديمقراطية، بل يقولون ذلك للآخرين فقط! وأنا عندي شواهد عديدة على هذه القضية، عندي شواهد عديدة على أنّ هؤلاء يطرحون ذلك لتسيير أمورهم الماديّة، ولكنّهم في الواقع لا يقبلون شيئًا من هذه الأمور، فقط عندما يصلون إلينا نحن المسلمين يطبّقون علينا ديمقراطيّتهم. وإلاّ فهذا الشخص صار مسلماً، فما المانع عندكم؟!
[يقول سماحته إكمالا للقصة:] استمرّ الأمر على هذه الحال حتّى نقلوه إلى المستشفى، يقول الشيخ مهدي: طوال تلك الفترة التي كان فيها في المستشفى ـ واستغرقت ثلاثة أشهر ـ لم يأته أحد من عائلته ليزوره، لا جاء أولاده سواء بناته أو أبناءه، ولا زوجته.. لم يزره أحد، فكنت أتّصل بهم وأقول لهم: بالأخير قد كان هذا أبوكم وزوجكم، وعاش معكم لمدّة... فكانوا يقولون: لا، هناك ممرّضات يعتنين به، وهو ليس بحاجة لنا.
انظروا للقانون المادي! يقولون: "هو ليس بحاجة لنا"؛ يعني المغذي موصول، والممرّضة تضع له المغذي وتعطيه الدواء في الوقت المحدد، وتعطيه الحقنة متى احتاج إلى ذلك، والطبيب المناوب في خدمته وهو ناظر عليه، فلماذا نذهب نحن؟! قانونهم قانون مادي! فتلك العواطف وتلك الأحاسيس جميعها نُسيت هنا! ذلك الارتباط الذي يحتاجه المريض في مثل تلك الحالة أيّما احتياج، تلك الأوامر التي عندنا نحن في الإسلام مثل: عودوا مرضاكم وغيرها وغيرها، كل تلك لأجل ماذا؟! ما فائدتها له؟! إنّها لكي تُعيد لروح المريض ذلك النشاط والانبساط؛ وبالمناسبة فإنّ ذلك مؤثرٌ جدّاً في استعادة المريض لعافيته، مؤثّر جدًا، وهذا الأمر قد أُثبت بالتجربة العملية!
فمثلاً لقد ذهبت بالأمس لرؤية أحد الأرحام وكان قد أٌجريَت له عمليّة قبل عدّة أشهر وكانت عملية قلب، ولكنّي ما كنت قد علمت أنّه قد حدث له هكذا أمر، وقد تأثرت كثيراً لذلك. عندما ذهبت لزيارته من جملة المسائل التي نقلها هي أنّه قال: عندما كنت في المستشفى وبقيت هناك لمدّة أسبوع أو أسبوعين، كان كلّما يأتي أحدٌ من الأرحام أو من غيرهم كنت أشعر أنّ ذلك الانبساط والارتياح الذي يصيبني بسبب زيارتهم له تأثيرٌ كبيرٌ في تحسن صحتي، وقد كنت أشعر بذلك و أرى أنّ حالي كم قد تحسنت وكم كان لذلك الارتياح والانبساط تأثيرٌ على تقدّم صحتي!! ما أعظم الفرق في تحسّن حالتي بين هذه الليلة والليلة السابقة. وفي اليوم الذي كان الزوّار يأتون فيه لعيادتي بمقدار أقلّ، كنت أشعر أنّ تلك الحالة وذلك التحسّن كانت تحصل في وجودي بشكل أبطأ!
أجل إنّ الله لم يقل ذلك جزافًا! ورسول الله لم يبيّن لنا هذه المسألة اعتباطاً، لماذا كلّ ذلك الثواب الوارد عندنا لعيادة المريض؟ ذلك لكي لا يشعر بالوحدة، ولكي يُجعل في وضع وحالة بحيث لا يكون بينه وبين باقي الأشخاص العاديين فرق، لا يكون هناك فرقٌ بين وضعيته وتلك الوضعية الطبيعة التي عند الأشخاص العاديين، أعني تلك الحالة الروحيّة والحالة النفسانية، فذلك الانكسار الذي يوجد عنده لا بد من أن يجبر، لا بد من أن يرمّم، المسألة ليست مسألة بطن فقط، ليس البطن والطعام هو المسألة الوحيدة.
أجل.. لم يأت إليه أحد من عائلته، وقالوا: لا! إنهم يعتنون به وليس هناك حاجة لنا، وهم لا يحتاجوننا في هذه المسائل.
لذا ـ من باب المثال ـ نلاحظ هناك أنّ تلك الأماكن التي يجهّزونها لأجل كبار السن وأمثالها أكثر من الموجود عندنا بكثير، فدُور العجزة أقلّ في الدول التي يكثر فيها جانب العطف والحنان مثل الدول الشرقية، حتّى إن لم تكن إسلامية، ففي هذه الدول تكون هذه الدور أقل بكثير منها في الأماكن التي ليس فيها هذه الجنبة من العطف، فالعلاقات قائمة على أساس العلاقات المادية وليس هناك علاقات عاطفيّة، والروابط روابط مادّية.
[يقول سماحة السيد إكمالاً للقصّة:] قال الشيخ مهدي: أنا في تلك المدّة في كل يومين أو ثلاثة أيّام أذهب لزيارة ذلك الشخص مرّة واحدة، كنّا نجلس ونتحدث ونتسامر ونمزح لساعة، فكنت أغيّر حالته وجوّه. فكان ذلك الشخص متأثراً جدّاً فمن جهة يقول: انظر لهذا الأب الذي تعب كل هذه المدّة من أجلهم، وبذل روحه لهم.. بذلت روحي لكي أوصلهم إلى هنا، وهم الآن ما الذي فعلوه؟! ومن جهةٍ أخرى هذا الشخص الذي ليس له علاقة بي، فهو ليس إلاّ مبلّغٌ للدين قام بتحويلي من دينٍ إلى دين، ومع ذلك هو يزورني في كلّ يومين مرة ويسامرني ويمازحني، وباختصار يغيّر حالي وأحوالي. وقد كان هذا الأمر موجباً لزيادة تثبيت أفكاره وثقافته الجديدة وأن يعلم أنّ هذا هو عملنا وهذه هي طريقتنا.
وهكذا استمرّ ذلك إلى أن انتقل إلى رحمة الله، فقمنا بدفنه في "هامبورج" في مقبرة للمسلمين، وفي اليوم التالي طُرق باب منزلنا، فأتيت ورأيت موكب عزاء من النساء اللاطمات على الخدود والصدور [السيد ممازحا] قائلين: يا سيّد ما الذي فعلته؟! لقد ظلمتنا ! لقد خُنتنا! كانت عبارتهم هكذا: أنت بهذا العمل قد خنتنا، وضيّعت حقّنا، وجُرْت علينا. فقلت لهم: ما الذي فعلته؟! فإنكم أنتم طوال هذه المدة ـ ما شاء الله عليكم ـ طوال فترة الأسبوعين أو الثلاثة بتمامها كنتم تزورن ذلك الرجل المسكين لدرجة أنه صار خجلًا منكم [ممازحاً]. قالوا: من دون إجازتنا أخذته ودفنته، والحال أنه كان بإمكاننا أن نأخذ جنازة أبينا إلى بعض الجامعات، ومراكز الطب القانوني، ونبيعه بتلك القيمة من (الماركات)[1]، وأنت بفعلك هذا قد حرمتنا من هذه المنفعة!
ما الذي يصنعه الإنسان بهذا النحو من التفكير؟! يعني لو أنهم يأتون ويقولون للشخص ألف كلمة قبيحة.. ألف كلمة قبيحة، ويصفوه بها فإنّ ذلك سيكون أهون من عملهم هذا! فمن جهة لم يأتوا لزيارته خلال تلك الثلاثة أسابيع حتّى مرّة واحدة، ومن جهة أخرى يأتون ويقولون هذا الكلام! يعني هل يصل الإنسان لهذه الدرجة؟! يعني واقعاً هل يمكن أن يصل الإنسان لهذه الدرجة، بحيث يتعامل مع جنازة أبيه كما يتعامل مع التمثال والخشب ولحم القصّاب؟! هل رأيتم القصّاب وهو يعلّق اللحم ؟! يعني هم يجيزون أن يتعاملوا مع هذا الأب بهذه الطريقة، فماذا يوجد في قلوب هؤلاء؟! ما هو الإحساس الموجود عندهم؟! ما هي الرحمة الموجودة في هذه القلوب؟! ما العاطفة المتبقيّة في وجودهم بعد ذلك؟! أي إنسانيّة متبقية في وجودهم؟!
نعم نحن لا نقول بأن تلك الحالة حالة عامّة، فقد يكون بينهم أناس مختلفون، وقد يتغيرون لو حصلت لهم تربية وأجواء أفضل، ولكنّ الحال عندهم الآن بهذا الشكل، وما هو موجود الآن هو هذا. من هنا على الإنسان أن يعرف قيمة وقدر القوانين الإلهيّة، والتي شُرّعت على أساس المسائل المعنويّة، لا على أساس المادّة، ولا على أساس القوانين المادية، كما قلنا ذلك في الجلسات السابقة، يجب على الإنسان أن يعرف قيمة هذه الأمور.

    

بيان وتوضيح للأصل الثاني الذي تبتني عليه القوانين: منع التعدّي على الآخرين

بناءً على هذا، وكما بيّنا هذا للأصدقاء في الجلسة السابقة، فإنّ الأمر الأوّل الملاحظ في وضع القوانين هو مسألة رعاية القوانين الضروريّة لبقاء المجتمع، وهذا الأمر بشكل عامّ موجود سواء في الأديان الإلهية أم في قوانين حقوق الإنسان، وكذلك في جميع قوانين الأمم، فهم يقولون بأنه يلزم رعاية القانون الذي تكون رعايته ضروريّة لحفظ الحياة الاجتماعية ولحفظ البقاء الاجتماعي.. القانون الذي يُمكِن للشخص من خلاله أن يصل لحقوقه الأولية. والأمر الثاني: أن يُمنع من التعدّي والتجاوز على حقوق الآخرين، وأن يكون هناك رادع يردعه عن ذلك. هذان الأصلان موجودان في القانون.
من باب المثال قيل في مورد القصاص: {ولَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (البقرة 179) أو ما ورد في الآية الأخرى {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى‏ الْحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والْأُنْثى‏ بِالْأُنْثى‏ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخيهِ شَيْ‏ءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ}(البقرة 178) حيث إن هذه الآية متعلّقة بقصاص الحرّ بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى وكذلك العين بالعين وهذه الأمور.
وأمّا في الآية الأولى فإنّها تقول بأنّ الحياة الاجتماعية مرهونة بوجود القصاص، بالطبع هذا ما هو مرتبط بالقصاص، وكذلك الأمر في باقي القوانين، مثل قوانين التجاوز على الآخرين والقوانين الحقوقية، والتجاوز على حقوق الآخرين، فإذا أضرّ شخص بحقّ من حقوق الآخرين، من باب المثال: أضرّ بمنزله أو ممتلكاته، فإنّ ذلك القانون يجب أن يمنعه من ذلك، أو مثلاً أن لصّاً دخل على منزل فيجب أن تُقطع يده، وكذلك إذا كان فعله فعلًا يجعل أمن المجتمع في خطر؛ مثل أن يكون اعتداء مسلحاً، فحكمه هو الإعدام قطعًا، ويجب أن يعدم هذا الشخص، حتى إن لم تكن أسلحته تلك أسلحة واقعية، فإنّ نفس هذا العمل ما دام في الظاهر قد أخذ عنوان التخويف، وإرعاب الآخرين فلا بدّ أن يُتّخذ في حقّ مثل هكذا أشخاص عقوبة شديدة.
إنّ الأصل الأولّي الذي يحفظ المجتمع ويبقيه هو رعاية القوانين والالتزام بها، ولابدّ أن يكون الأمر كذلك؛ لأنه ـ كما قدّمت للأخوة ـ فإنّ جميع الأشخاص ليسوا في مرتبة واحدة، فليس جميع الأشخاص في مستوى واحد من الرقيّ الثقافي، والمجتمع لا يخلو من أشخاص ـ وهم ليسوا بقليلين ـ يريدون أن يتعدّوا على حقوق الآخرين ويتجاوزوا عليها، وهذه القضية موجودة في جميع الموارد ومن جميع الأصناف بلا استثناء، لا يوجد هنا أيّ استثناء أبدًا، فأمثال هؤلاء موجودون بين الكسَبة والتجّار، وموجودون في الأطباء، وموجودون في طلاّب العلم.. يوجد في جميع الأصناف أشخاصٌ يريدون أن يخرجوا عن الحدود الإنسانية، ويريدون أن يتحرّكوا خارج تلك الأصول الإنسانية، ولا فرق بينهم ؛ لأن جميع هؤلاء يتحرّكون على أساس المسائل النفسانيّة، والكلّ عنده نفس، تلك النفس التي هي الآن تتكلّم معك هذه النفس لا تُعدم أصلًا، وإنما ظهورها وبروزها يختلف، فمثلاً أنا تارة أظهر بينكم بهذا اللباس، وتارة أخرى أخلع هذا اللباس وأظهر باللباس المتعارف بينكم والذي تلبسونه، فالنفس هنا عندما غيّرت اللباس لم تتغير حتّى تكون هذه المسائل مختصة بهذا الصنف من الناس ومنتفية عن الصنف الآخر، فالنفس موجودة، وإنّما الذي اختلف هو الخصوصيات التي تقمّصتها، وذاك الظهور الاجتماعي الذي ظهرت به فقط، فتارة يظهر بهذا الشكل وتارة بذاك الشكل، ففي كل لحظة يظهر هذا الصنم بشكل مختلف.
على هذا الأساس لابد أن يكون هناك حكم أوّلي بتّي وضروري وقطعي في المجتمع سواءً كان هذا المجتمع ملتزماً بالأحكام الإلهية أم غير ملتزم بها، وذلك الحكم هو عبارة عن هذه القوانين العاديّة، وهذا القانون هو الذي يقف أمام الظالم وتعدّيه.

    

أصل القوانين و الأحكام مجعول لردع المتعدّي

وبعبارة أخرى ينبغي أن يعبّر هكذا، بأنّ أصل القوانين بشكل عامّ وفي أغلب الحالات قد وضع لأجل المتعدّي، وليست لأجل الشخص الذي يريد أن يتعامل في المجتمع طبقًا للأصول الإنسانيّة، إنّها قد وُضعت لأجل ذلك الشخص الذي يُقال له إذا أردت أن تهدم بيتك فعليك أن تراعي جهات الأمن والسلامة لأجل منزل جارك وإن لم تراعِها فعليك أن تدفع عوض المفاسد التي ستحصل لاحقاً والدمار والخراب الذي سيحدث والذي يمكن أن يصل إلى حد هلاك شخص وأضرار أخرى، لمن يقال هذا الكلام؟ لشخص لا أبالي، لشخص لا يريد أن يعمل بتلك الأصول الإنسانية، وإلاّ لَما كان هناك حاجة لهكذا قانون، فلو كان هذا الفرد شخصًا عنده إحساس.. شخصًا إنسانياً ويريد أن يعيش في المجتمع كما يعيش الإنسان، فينبغي ألاّ يقوم بهذه الأعمال من تلقاء نفسه ودون الحاجة للقانون.
الآن افرضوا لو لم يكن لدينا قانون بهذا الخصوص أو أن القانون يقول لنا: اعمل أي عمل يخطر على بالك وما تشاء! ضع الجرّافة وهدّم بواسطتها بيتك إن شئت حتى لو أدّى ذلك إلى تخريب منزل جارك بسبب اتّكائه على أساسات منزلك! فأنت لم تتعدّ! إذ أنك قد خرّبت بيتك فقط! حسنا لو لم يكن هناك قانون يمنع من ذلك، فالشخص الذي عنده وجدان ومشاعر لا يقوم بهذا العمل، فإذن هذا القانون الموضوع الآن هو لردع المتعدّي، وذلك الشخص الذي يضع القانون يريد أن يقف أمام الفرد المتعدي. [وكذلك الأمر بالنسبة] لتلك الآية التي تقول: {ولَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ} أو تلك الآية: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى‏ الْحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والْأُنْثى‏ بِالْأُنْثى‏} علماً أنّ هذه الآيات متعلقة بالقانون الجزائي وليس بالقانون الحقوقي، لأنّه قد يقتل شخصٌ شخصًا آخر من دون اختياره، فهذا لا إشكال فيه! وفي بعض الأحيان قد يكون مؤمنًا، فالمؤمن في بعض الأحيان من الممكن أن يقوم بعمل عن طريق الخطأ.

    

مقارنة بين حكومة أمير المؤمنين عليه السلام وحكومة الغاصبين

لقد جاء أمير المؤمنين برجل وقال لقنبر: اجلده بهذا المقدار، فجلده قنبر، وأضاف واحدة بالخطأ، إمّا أنه عدّها خطأ أو أنّه أخطأ لأي سبب آخر، مثلاً كان يجب أن يجلده عشرين سوطاً فضربه واحدة وعشرين.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام لذلك الرجل: قم واضرب قنبراً واحدة! فقد قلت: عشرين، و أنت يا قنبر كان عليك أن تعدّ بشكل صحيح وإلاّ فعليك أن تتحمّل مسؤولية خطئك! حتى لو كان ذلك الشخص قنبراً ! و نحن ليس عندنا أحد أعلى من قنبر، ولكن القانون قانون، وأمير المؤمنين أمير المؤمنين أيضاً، فهو ملتزم بمبادئه ومواقفه، نعم إن أراد ذاك الشخص أن يعفو فذلك أمر آخر، إن أراد أن يعفو ويقول: لقد جلدني خطأ فلا بأس عليه، أمّا قنبر فليس له أن يأتي ويقول ـ لا سمح الله ـ: سوف أجلده جلدة واحدة إضافية ، فرغم أنّ عليٌّا قد قال لي: اجلده عشرين، إلاّ أنّني سأجلده خمسة [إضافية، ما الإشكال في ذلك ؟!]، لا يا عزيزي، إن فعلت ذلك، فإنّ عليّاً عليه السلام سيطرحك على الأرض ويجلدك خمسة أيضًا؛ هذا على فرض أنّه اكتفى بخمسة جلدات لا أكثر، ولكن على الأقل هذه الخمسة محقّقة، فحتى لو كنت قنبرًا، فذلك لا يغيّر شيئاً، وحتى لو كنت ابن عليّ، فلا فرق في ذلك، وسواء كنت يهوديًا أو نصرانياً فكذلك الأمر؛ بالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام لا يوجد فرقٌ.
هنا على الإنسان أن يفهم ويعرف من هو الشخص الذي يتّبعه؟ فإنه لا يتبع جناب أبي بكر، فعندما جاء خالد بن الوليد لأخذ الزكاة من مالك بن نويرة، فقال له مالك: أنا لا أعطي الزكاة لحكومة أبي بكر لأنها حكومة غاصبة، وحكومة ليس في أهلها، وقد أخذتم حقّ أمير المؤمنين، فلم يعطهم الخِرَاف.
واقعًا انظروا إلى أيّ حد تصل حيل الشيطان! يقولون: الشخص الذي لا يدفع الزكاة فإنه مُنكر لحكمٍ من الأحكام الضرورية، والشخص الذي ينكر حكماً من أحكام الدين الضرورية يُعدّ مرتداً، وقتل المرتدّ واجب، قام فقهاء أبي بكر بترتيب هاتين المقدمتين الصغرى والكبرى، واستنتجوا: إذاً فإنّ مالك بن نويرة الذي لم يدفع الزكاة للحكومة الإسلامية الحقّة (ونحمد الله على هذه الحكومة الإسلامية الحقّة!) يجب قتله! فأرسل إليه خالد بن الوليد الشقيّ، وبما أنّ مالك بن نويرة كان رئيس قبيلةٍ وخالد بن الوليد لا يقدر عليه فقد قام بخداعه، قال له: إن كنت لا تريد أن تدفع الزكاة، فليس لنا بكم شغل، فاسمح لنا أن نذهب غداً، ودعنا الآن نقوم لنصلي فقد دخل وقت الصلاة، فأقام الصلاة وقدّم مالك بن نويرة إماماً للجماعة، وانتظر حتى بدأ مالك بالحمد فسلّ سيفه وفصل رأس مالك عن جسده غيلةً! هذه هي حكومة العدل الإسلامية! انظر، فإنّهم يقولون: حكومتنا هي حكومة العدل الإسلامي، ولا يمكن أن تكون الحكومة أفضل مما هي عليه! حتى لو أنّ جبرائيل نزل فإنه لا يستطيع أن يقيم حكومةً أفضل من هكذا حكومة! هذه الحادثة التي ذكرتها لكم ليست من عندي، بل نفس أهل السنة ينقلون هذه الحادثة في كتبهم.. وإن لم تكن موجودة في كتبهم، فإني أتراجع عن كلامي. إنّهم يتعاملون بالمكر والخديعة والكذب فيقولون: نحن ليس لنا بكم شغل، دعونا نصلي الآن ثم نتحدّث حول المسألة، ثمّ يقومون بقطع رأسه حال الصلاة، ثم يأتون بالحطب ويضعون بدن مالك بن نويرة تحت الحطب، اسمعوا ذلك فذلك جيد، وقد نَقَل هذه القصة المرحوم العلاّمة في كتاب معرفة الإمام، اذهبوا واقرؤوها فقد ذكرها هناك بالتفصيل، حتى تعلموا ما الذي جرى على هذا الإسلام! وتعلموا الآن من هو الظالم ومن هو المظلوم.. أجل لقد حرقوا بدن مالك بن نويرة وجعلوه فحماً طبخوا به طعامهم، حيث ذبحوا لهم خروفاً، وصنعوا بالخروف ماء اللحم في قدر، وكان حطبه هو الخشب وبدن مالك بن نويرة، وكان الجميع يشعرون بالنشوة والسرور، ثم قام خالد بن الوليد بالزنا بزوجة مالك بن نويرة! وكل هذا مدوّن في كتبهم! إنّ الكلام المهم هنا هو أنّ كل أفراد الجيش كانوا ناظرين على ما حصل! إنهم كانوا يشاهدون هذه المسائل!
وقد قام خالد بن الوليد بذلك؛ لأنّ زوجة مالك كانت امرأة جميلة وقد وقعت عين خالد عليها ففعل ذلك.
وقد كان بين عمر وخالد بن الوليد اختلاف سابق، فعندما قدم خالد بن الوليد إلى المدينة أراد عمر أن يستفيد من هذه الحادثة ـ ليس لأجل الله بل لنفسه ـ فقام وذهب إلى أبي بكر وقال له: ليست المشكلة في قتله لمالك، ولكن المشكلة في الزنا الذي زناه، فإنه زنى زناً المحصَن ـ بالفتح ولا يقال: المحصِن بالكسرـ وزنا المحصنة يطلق على الزنى بالمرأة التي لها زوج، وله شرائط خاصّة به سواء بالنسبة للرجل أم المرأة، فهذا الزنا يسمّى الزنا بالمحصَنة، فالرجل لو كان متزوجاً وكان متمكنًا من زوجته، وزنى بامرأة ليست بذات بعل، فهذا الزنا هو زنا المحصَن، وأما بالنسبة لتلك المرأة (التي زنا بها ولم يكن لها بعل) فهو ليس زنى المحصَنة؛ ولذا يجب أن تُجلد الحدّ، ويحرم رجمها، أمّا الرجل فيجب أن يُرجم، لأنّ زناه زنا المحصَن.
وإن كانت المرأة متزوجة فزنت برجل غير متزوج، فذلك الزنا هو زنى المحصَن من الطرفين، أي من طرف الرجل ومن طرف المرأة؛ لأن ذلك يُعد تعدّياً على حقّ الغير، فيجب رجم الطرفين ورميهم بالحجارة.
ومن الجدير بالذكر أنّ الرجم من أحكام الإسلام الضرورية، فقد كان موجودًا في السابق وقد عُمِل به، والحكم هو كذلك الآن، ولكّننا نرى البعض في هذا الزمان يطرح المسألة بشكل آخر، فعلى أولئك أن يذهبوا ويستعدّوا للحساب والمُساءلة لاحقًا، فإنّ حكم الرجم قد كان ثابتاً ولا شكّ في هذا المطلب. وإنما شُرّع الرجم لكي لا يتحقق هذا الأمر، فعندما يُرجم شخصان ـ ويجب على الجميع أن يشاهد ذلك ـ فلن يكون هناك شخص ثالثٌ بعدها!
أحكام الإسلام ليس فيها مزاح مع الناس؛ فهذا الأمر إنما هو لرفع الخيانة من المجتمع. وإلاّ فإنهم إن أتوا بالجاني ووضعوا له المكان المريح، وجلبوا له كل يوم الأرز مع الكباب، وسيجارة "وينستون" ووضعوها أمامه، ثم يقال له: تفضّل؛ فمن المعلوم إلى أين سيصل حال المجتمع!!
يقولون: الرجم يخالف كرامة الإنسان! ولكن هل هذا إنسان؟! هذا حيوان، هذا سبع ونمر، هذا الشخص الذي يقوم بهذا العمل مع تلك المرأة التي يشعر زوجها بالأمن في هذا المجتمع ليس إنساناً، بل هو حيوان، غاية الأمر أنّ الحيوان يأكل البرسيم والقش، وهذا يأكل شيئًا آخر، فلا فرق بينهما في الحقيقة. عندما يأتي الحيوان المتوحش إلى الشارع ما الذي يفعلون به؟ يطلقون عليه النار ويقتلونه، أو يضعونه في حديقة الحيوانات، فلو أنّ هذا الحيوان بعد أن وضعوه في حديقة الحيوان خرج منها أيضاً، هل يتركونه يفترس ويمزّق ؟! هل لأنه حيوان يتركونه ليقطّع الناس؟ بل عليهم أن يطلقوا عليه النار! إنّهم يطلقون عليه النار، ويجب أن يفعلوا ذلك، وإن لم يفعلوا فإنه سيُهلك الناس، نعم هو لأنه حيوان يضعونه في القفص أو يطلقونه في الغابة، ولكن المسألة إذا وصلت لحدّ التعدي فإن هذا الحيوان الوحشي الذي لا ذنب له ينبغي أن يُطلق عليه النار ويقتل لكي نحافظ على حياة الناس.
[عوداً على قصة خالد يقول سماحة السيد:] أتى هذا الشخص (خالد) وفعل فعلته مع هذه المرأة.. أعدم زوجها اليوم، ومن دون أن يراعي مسألة وجوب أن تعتدّ زوجته لأربعة أشهر وعشرة أيام، زنى بها! إلاّ أنّ خالد بن الوليد المطّلع على جميع الأمور ذهب إلى أبي بكر، وخرج ظافراً مسروراً، وقال وهو يلعب بلحيته بإحدى يديه: تفضّلوا وانظروا فلم يعمل معي أبوبكر أي شيء.
فذهب عمر إلى أبي بكر وهو غاضب قائلاً: لقد فعل هذا ما فعل، ويجب أن يُعدم. هل تعلم بماذا أجابه أبوبكر؟ قال له: لا أغمد سيفًا سلّه الله على الناس. سلِمت يداك على هذا القول! هذه هي الحكومة التي يزعمون أنّها حكومة الإسلام! ما شاء الله! ثمّ يقال: يجب علينا أن نفتخر بمثل هذه الحكومة!
علماً أنّ هذه العبارة " لا أغمد سيفاً..." ليست عبارتنا نحن الشيعة ـ حتى تعتبر هذه إهانة لهم ـ بل هي عبارة علماء أهل السنة، فهم من نقلوا ذلك، لا أنّنا نقول ذلك من عندنا.
يقول: "لا أغمد سيفًا سلّه الله"؛ فالسيف الذي سلّه الله هو خالد بن الوليد فلماذا أنا أغمده ؟! فنحن الآن بحاجة له! بالعافية عليه ما فعل! وينبغي عليه أن يفعل الكثير من الأعمال من أمثال هذه الأعمال، بالعافية عليه! ليذهب ويعملها! هذا ما يعبر عنه بعدم القاعدة، وهكذا يصير العالم بلا نظام ولا قانون.
ولكن عندما يصل الدور لأمير المؤمنين عليه السلام وعدم بيعته، فلا إشكال أن تذهبوا وتضربوه! وتحرقوا بيته! بيت ابنة رسول الله ! اجلبوا الحطب إلى هناك، وعندما تشعرون بأنّ ابنة رسول الله خلف الباب ارفس الباب بتلك القوة حتى تهرسها ! كل هذا لا إشكال فيه ولا عيب!
هناك عبارة ـ واقعًا عبارة عجيبة ـ ينقلها أهل السنة، لا أعرف أين قرأتها في أي كتاب ولكنّي رأيتها قطعًا بعينيّ، وقد رأيتها في كتب أهل السنة، إن شاء الله يذهب الأصدقاء ويبحثوا عنها ليجدوها.[2]
قال عمر: عندما أتت فاطمة إلى خلف الباب، ورفسْتُها برجلي سمعْتُها أنّتْ أنّةً، ومن شدّة تلك الأنّة شعرت في قلبي بالعطف عليها بعض الشيء، ولكني تذكرت فجأة أولئك الأشخاص الذين قُتلوا على يد عليّ، فحينها زدت من عصري للباب. انظر إنّ هذه العبارة هي عبارة عمر!
يأتي شخص مثل هذا وبهذه الحالة وبهذه الصفات فيتولّى أمور الناس، ويأمر هذا وينهى ذاك والآن افعل هذا ولا تفعل ذاك! شخص بهذه الوضعيّة! شخص يقتل ابنة رسول الله بهذه الكيفية.. [ويقول:] أجل نقتلها، وما الإشكال في ذلك؟! فإن ذلك من أجل استمرار حكومتنا.. فلتقتل ابنة رسول الله ولتقطّع قطعة قطعة وليُقتل محسنها! لا بأس في ذلك؛ فذلك كلّه فداء ليوم من أيام حكومتنا!

    

لا يصحّ التغاضي عن أخطاء ظالمي أهل البيت والتستّر عليهم بحجّة الوحدة الإسلامية

نعم هذا ما حصل، ويجب أن يعرف الناس ذلك، وينبغي أن يطّلعوا عليه، وإلا فإن أردنا ان نتجاوز عن كل مبانينا، فمن الأفضل أن نذهب ونصير نصارى! فما الإشكال في ذلك؟! لماذا نتّحد مع أهل السنة؟ لنتّحد مع النصارى، لنتّحد مع الجميع! فما دامت هذه هي الفكرة فلماذا نَحُدّ أنفسَنا ؟! يقولون: لأن رسولنا مشترك! أيّ رسول؟! ما الكلام الذي سمعتموه من رسول الله ونفّذتموه حتى تقولوا بأن رسولنا واحد؟!، هل سمعتم وصيته في ذريّته وأهل بيته؟! هل أطعتم أمره باتّباع عليّ؟! هل أطعتم أمره باتباع أمير المؤمنين ؟! هل أطعتم أمره عندما قام بتنصيبه خليفة في يوم الغدير؟! هل سمعتم بذلك؟ إذن أين هو الاشتراك بيننا؟
نعم هم يُقرّون بأنه كان نبيّاً، ونحن أيضًا ننسب أنفسنا إلى ذلك الرسول، ولكن حتّى إن أقرّوا بذلك فما قيمة ذلك الإقرار لوحده، فإن الذين يفعلون ذلك كُثر، حتى اليهوديّ قد ينسب نفسه للرسول، فهل يكفي ذلك، وهل تنتهي المسألة بذلك؟! هل ينهي المسألة أن تكون قبلتنا واحدة؟! هل صِرف توجهنا لهذه القبلة ينهي المسألة؟ صلاة التراويح المستحبة والتي يجب أن نصلّيها فرادى، يصلّونها إلى نفس هذه القبلة جماعة، هل هذا يجعل قبلتنا مشتركة؟! لأننا نصلي إلى جهة القبلة فإذن نحن واحد؟! أم لا، إنْ عمِلنا بذلك التكليف فإنّنا مشتركون في ذلك التكليف، وإن لم نعمل فلسنا مشتركين.
ذاك الشخص الذي يواجه القبلة ويصلّي صلاة التراويح التي أمر بها رسول الله من عند الله بأن تصلّى فرادى، وهو مع ذلك يصليها جماعة، فهو وإن كان يصلّيها إلى نفس الكعبة، (فهؤلاء هل يصلونها عكس الكعبة؟! لا، بل يصلونها باتّجاه الكعبة) ومع ذلك فإنّ الملائكة تلعنهم؛ فلماذا تقف وتستقبل الكعبة وتصلّي؟ إنّ هذه الصلاة حرام، إنها حرام.
عندما تحدّثت معهم حول هذه المسألة، وكانت إحدى هذه المسائل مسألة صلاة التراويح، قلت لهم: لنذهب إلى كتبكم ونرى، قالوا: كانت تُصلى في عهد رسول الله فرادى ولكن عمر عندما جاء جعلها جماعة، وقد قال رسول الله: اتّبعوا سنتي وسنة خلفائي[3] ـ كذبا طبعًا ـ فهذه الرواية في كتبهم، فقلت لهم: هل تقبلون بها ولا تتراجعون عنها؟ إنكم تقرّون بهذا الكلام وهو: اتبعوا سنتي وسنة خلفائي، أليس كذلك؟ لا تُعرضوا عن هذا الكلام؟ فقالوا: لا. فقلت: هل كان عليّ عليه السلام من الخلفاء أم لم يكن؟ قالوا: بلى كان من الخلفاء. فقلت لهم: عندما عاد عليّ إلى سنة رسول الله وصلى فرادى فلماذا لم تتبعوه وظللتم تصلونها جماعة؟ فلم يحيروا جواباً. فقلت: إما أن تقولوا إنّ عليّاً ليس من الخلفاء، والخلفاء هم فقط الأوّلان أو معهم الثالث، ولا تذكرون اسماً لعليّ، فإما أن تقولوا ذلك، فسيكون حسابكم بطريقة مختلفة، وإما أن يكون من الخلفاء، فحينها نقول لكم: جيد جداً، لقد جاء عمر وصلّاها جماعة طبقاً لذوقه الخاص، ثم جاء أمير المؤمنين وأعادها إلى ما كانت عليه، فإذاً أنتم عليكم أن تصلّوها الآن فرادى. فبقوا هكذا ساكتين، وأُفحموا ثم مع ذلك صلّوها جماعة!
انظروا هنا تتضح المسألة، فإذًا هنا قبلتك هذه ليست قبلة مشتركة، فإنك توجّه وجهك تجاهها فقط هكذا، قبلتك هي نفسك التي أنت تسجد إليها، غاية الأمر أنك وضعت أمامك أربعة جدران مثلًا، وهذه الأربعة جدران والأحجار هي من وضعك، وهي ليست الكعبة، فالكعبة هي في قلبك، فأنت تصلي للكعبة التي هي في قلبك، وليس إلى الكعبة، والآن هل يمكننا أن نقول: نحن مشتركون في الكعبة وأمثال ذلك؟! هكذا هو وضعنا الآن.
حسناً، لِمَن وضع الإسلام هذه القوانين؟ للشخص الذي يريد أن يظلِم، وأما الشخص الذي لا يريد أن يظلم ويريد أن يتعامل في المجتمع بشكل إنساني، ويتصرف بشكل إنساني، ويعيش في المجتمع بالطريقة الإنسانية، فهذا لا حاجة له بالقانون، فهو نفسه يرى الحدود، وهو يرتّب أموره على ألاّ يتجاوزها، فهو يقول: عليّ أن لا أغصِب تلك الأرض المجاورة لي وأضمّها إلى ملكي، فإن الوجدان يقول: لا تفعل، الفطرة تقول: لا تفعل، الإنسانية تقول: لا تفعل. وفي المقابل هناك من لا يمتلك هذه القيَم، فإن شعر بأن هناك قوة تسنده [وشخص يدعمه ويجري له معاملاته كما يحبّ]، ومالك هذه الأرض شخصٌ مظلوم ولا يقدر على شيء ، فتراه يقول: خذ هذه الأرض وزِد عليها مائة متر لتلك الجهة، ابدأ بوضع أساساتك من هنا، فلا أحد يهتمّ لأحد! تجاوز وخذ من أرض جارك، وحتى إن اشتكى عليك بعدها فإنّ المسألة بالأخير ستصل إلى حدٍّ معين وتُحل. ثم يذهب ويضم الأرض التي بعدها وهكذا.
نقل المرحوم العلاّمة قضيّة ـ نقلها في كتابه "الروح المجرّد"[4] ـ حول الأرض التي أخذها عديل المرحوم السيد الحداد رضوان الله عليه، وهي أرض المنزل المجاور لمنزله، وذلك أن والد زوجته كان قد أهدى الأرض والمنزل لها، فجاء هذا وغصبها منه وبقي فيها لسنين طويلة، وهو يقول: لا أعطيها له ولا أتركها، ومن جهة أخرى فإنّ السيد الحداد ليس من الأشخاص الذين يقومون ويذهبون إلى المحكمة، فهل من أجل كونه سيّدا مظلوما وعنده عزّة وكرامة وشخص محترم وذو عظمة، ولا يُعلّق نفسه في مثل هذه المسائل من أجل عدة أمتار مثلاً، تقوم أنت بغصبها ؟! فتسيء الاستفادة من كرامة هذا السيد ؟! هل هذه إنسانيّة؟! علماً أنّ الله تعالى قد أصابه ببلاء.
فإذن القوانين لأجل هذا، يعني القوانين موضوعة للأشخاص المرضى في المجتمع، للأشخاص الذين عندهم عناد، لأولئك الذين لا يريدون الالتزام بالحقوق الإنسانية والحقوق الإلهية، فالقانون إنّما يوضع لأجل هؤلاء؛ فيقولون لهم: افعل هذا ولا تفعل ذاك.
طبعاً هناك مرتبة بعد هذه المرتبة للأشخاص الذين هم ليسوا في هذا الحدّ من الدناءة؛ ولكنهم مع ذلك يريدون أن يستفيدوا من خصوصياتهم العادية والظاهرية، فهم مثلا لا يريدون التعدّي على حقوق الآخرين ولكنهم أيضاً لا يريدون أن يراعوا جنبة الإيثار والعطف والمسامحة، فهذا لا إشكال فيه، والقوانين قد وُضعت لهؤلاء أيضاً.
من جملة هذه القوانين قانون الزواج، فالإسلام وضع للزواج أحكاماً، وهي عبارة عن الحقوق التي وضعها للزوجة والحقوق التي وضعها للزوج، مثل المهر الذي وضعه في مقابل العقد، وأمثال ذلك. هذه القوانين تصلح للمسائل الأوّلية وتتناسب معها، يعني هذه القوانين التي يلتزم ويتعهد فيها الطرفان في قبال بعضهم البعض إنّما هي لأجل بقاء الصورة الظاهرية للزواج، ولكي تستمر الحياة الزوجية الظاهرية، فقد وضع الإسلام لذلك قانونًا، فالقوانين المرتبطة بهذه المسألة تحتاج لفرصة أخرى أكثر من هذه، وإن شاء الله نشرع بهذا الموضوع في المجلس اللاحق.
لقد كنت أنوي أن أبيّن ذينك الحكمين المختلفين وهما القوانين التي أتى بها الإسلام من أجل استمرار الزواج من حيث الظاهر، والقوانين أتي بها من أجل استمراره من حيث الباطن، وما هو الفرق بينهما، ولكن الاشتغال بمسائل أخرى منعنا عن هذا الموضوع.

    

اختتام المجلس بدعوة إلى التوسّل بالسيّدة الزهراء بمناسبة الأيام الفاطمية

من المناسب في هذه الجلسة كما في الجلسة التي أُقيمت في اليوم السابق أن نتوسّل بالسيدة فاطمة سلام الله عليها بمناسبة الأيام الفاطمية.
ندعو الله أن يوجّه حال المجلس وأجواءه إلى تلك الأجواء [الروحانية] ببركة توسلات صديقنا العزيز.
لقد كنت قد ذكرت للأصدقاء أن العظماء كانوا يهتمّون بالتوسل بالأئمة صلوات الله عليهم، وأنّ الأصل في تلك المجالس هو التوسّل، الأصل هو ذلك التوجه [لأهل البيت]، وذلك الارتباط، ويجب أن تختم هذه المسائل والمطالب التي تُطرح بتلك التوسّلات وبالاتجاه نحوهم عليهم السلام، حتّى أن بعض الأصدقاء تحدّث معي قائلاً: لماذا أنتم لا تختمون محاضرتكم بذكر المصيبة وقراءتها بنفسكم؟ فقلت له: أنا نفسي أرغب بهذا الأمر، ولكنّني في كلّ مرّة عندما أنوي هذا الأمر فإنّ الاستمرار بمطالب المحاضرة يؤثّر على حالي وقدرتي، فلا يبقى عندي حال لأجل ذكر المصيبة، وإلاّ فإنّني أنا نفسي مشتاق وأرغب بذلك، ولِم لا أكون كذلك؟!
ويعلم الأصدقاء أن الأصل والأساس والاعتماد في مسلك وهدف الأولياء الإلهيين على التوسّلات، وأن تلك التوسّلات هي الحبل الذي سيوصل الإنسان لتلك الحقائق والمعارف الربوبية. عند المقارنة فإن الأصل هو ذلك التوسل، فإن الاشتغال بالمطالب والمسائل العلمية والمعارف والمباني التي وصلتنا من ناحية العظماء له مكانته، ولكن لا ينبغي ـ لا سمح الله ـ أن يُتصوّر بأن الأصل هي هذه المطالب التي تطرح وأن ذكر المصيبة وأمثالها تأتي بالأثناء وبالعرض! كلاّ الأمر ليس كذلك، لذا أعرض بين يديكم [الحادثة التالية]، وقد نقلت ذلك سابقاً: في زمن المرحوم العلاّمة، منذ زمن بعيد، قبل الانقلاب وفي أيّام الشاه، عندما كان المرحوم العلاّمة يلقي محاضراته في المسجد، وكان يخطب، كان يقوم بتدوين خُطَبه تلك وبالخصوص كتاب معرفة المعاد ومعرفة الإمام، وأتذكّر أنّ معرفة المعاد أخذ منه فترة شهر رمضان بأكمله، أتذكر ذلك.. ومجالس العزاء التي كان يلقيها على المنبر آخر المجلس قام بكتابتها بشكل مجمل في نهاية المجلس.. يقدر الأصدقاء أن يروا ذلك في هذه الكتب التي بين أيديهم.
في أحد الأيام ـ وقد كانت هذه الحادثة في الزمن السابق، ولم تكن هذه المسائل والمحاضرات قد طبعت بعدُ؛ وقد رُتبت وطبعت بعد ذلك شيئاً فشيئًا ـ كان المرحوم المطهّري (ره) في منزلنا، لأنه كان يأتي إلى منزلنا في الأسبوع مرّة واحدة، وكان له ارتباط بالعلاّمة، ارتباطًا وثيقاً، وكنت في بعض الأحيان أجلس معهما، أحضر لهما الشاي وأجلس لعدّة دقائق ثم أقوم وأذهب ـ رأيت المرحوم العلاّمة وقد أحضر كتاب معرفة المعاد وكان يُريه للشيخ مطهرّي، فكان ينظر إليه، وكان مبتهجًا جدًا حال رؤيته له.. وفجأة رأيته قد قال: يا سيد هذا الأمر غير مناسب، وهو أن توضع مجالس العزاء هنا، لنحذف هذه المجالس ولتكن المطالب متسلسلة وعلى نسق واحد حتى يحتفظ الكتاب بصورته الكتابيّة.
فقال المرحوم العلاّمة: لا يا شيخنا، إن مِلْح جميع هذه المحاضرات التي تراها هو هذا العزاء، حيث إن القارئ عندما يصل إلى هذا العزاء فإنّ هذه المطالب التي تطرح يكون لها أثر، فحالما يصل القارئ إلى ذكر مصيبة سيد الشهداء وبسبب اتصال تلك الكلمات بتلك الأنفاس الطاهرة تقوم تلك الكلمات والمطالب بتثبيت نفسها وتجذب نفسها وتحفظها. فقال: نعم نعم. وقَبِل بالمسألة، ولكنّي أظن أنه مع ذلك لم يستوعب المسألة جيدًا. وخلاصة المسألة هي هكذا كما كان نظر العلاّمة، وهذه مسألة حقيقية. وقد قبل بها الشيخ مطهري في آخر الأمر، ويحتمل أيضاً أن يكون الخطأ منّي حيث أني تصورت المسألة على ذلك النحو. على كلّ حال الأمر المهمّ هنا هو أنّ هذه المسألة هي من الأمور التي كان أولياء الله يهتمّون بها، هذه هي المسألة، وهي أن تمام الأمر يكمن في الاتصال بأهل ذلك البيت عليهم السلام.

    

العرفاء يولون مسألة التوسّل بأهل البيت عليهم السلام أشدّ الاهتمام

كان المرحوم القاضي يقول: لقد نمتُ في كل شبرٍ شبرٍ من صحن سيد الشهداء عليه السلام. فيا من تعتقدون بأنّ هؤلاء العظماء خارجون عن الإسلام، تعالوا وانظروا مَن هم هؤلاء! هذا العارف العظيم من أحد آثاره هو ما رأيناه قبل أيّام قلائل[5]، فهذا المرحوم آية الله الشيخ بهجت رحمة الله عليه.. لقد كان ارتباطنا به قوياً، فقد كان كلّما يتشرف بالمجيء إلى مشهد يأتي لزيارة المرحوم العلاّمة، وفي بعض تلك الأحيان أكون حاضراً في تلك المجالس، وكنّا نستفيد كثيراً من هذه الارتباطات، في هذه الأوضاع [وهي أوضاع تشييع جثمان الشيخ بهجت] رأى الجميع استقبال الناس له وتلك الحال والأجواء التي كانت، كلّ ذلك كان بسبب ارتباطه بالمرحوم القاضي، نعم الناس الآخرون يرحلون عن هذه الدنيا أيضًا ولكن لا يحصل معهم هكذا، فما حصل في هذه المسألة يختلف، فقد كان هناك أجواء وحالة روحية، والكلام الذي يُتحدث به عن هكذا شخصية كان يُربط كله بالمرحوم القاضي، فذلك هو أصله، فتلك الحالة هي حالة المرحوم القاضي وأجواؤه قد تبلورت بهذه الشخصية بهذه الكيفية، وجذبت الناس إليها بهذه الطريقة. ألا يكفي هذا؟! ألا تكفي هذه المسألة للانتباه؟! علينا أن نفتح أعيننا ونعلم وباختصار أنّه لا ينبغي أن نخلط المجاز بالحقيقة، وألاّ نستبدل الأصل بالفرع، وأن نعلم أنّه وبحسب القول المعروف:
اين همه آوازها از شه بود
                             گرچه از حلقوم عبد الله بود[6]

[ترجمته: إنّ كلّ هذه الأناشيد أطلقها الشاه وإن كانت قد خرجت من حنجرة عبد الله]
فمن هناك أتت تلك الحركة وتلك النفحات، وكان ذلك واضحاً، نحن أيضًا شاركنا في تشييعه وشاهدنا واقعًا ذلك العدد الضخم من المشيعين، ويبدوا من حالة وأجواء الناس أن تشييعه يختلف عن التشيّيعات الأخرى، يعني كان ظاهراً من الحالة والأجواء أن المشاركين في تشييعه كانوا يعيشون جواً خاصاً وأحوالاً متمايزة، فقد كانوا يشيّعونه برغبة وشوقٍ؛ ففي بعض الأحيان يشعر الإنسان أن المشيّعين يمشون خلف الجنازة بالقوّة وهم يقولون: يا إلهنا متى ندفنه ونرتاح من هذه الأجواء الحارة؟ ومتى نرتاح من هذا الابتلاء؟ متى نهيل عليه التراب ونذهب بعدها للمشاركة في المجلس لتعزية أهله.
ولكن في بعض التشيّيعات يرى الإنسان أن الأشخاص مشتاقون وراغبون في المشاركة، فترى الواحد منهم يتابع بنفسه ويتوقّف ويتحمّل الحرّ وأشعة الشمس، يتحمل كلّ ذلك. إنّ جميع ذلك بسبب تلك الحالة والأجواء، فتلك الحالة والأجواء أتت من هناك، وقد نال منها هذا المرحوم نفحة أيضاً، فأولئك المشيّعون كانوا يتحرّكون هناك وراء تلك النسمة، فالإنسان لا يمكنه أن يتجاهلها.
كان المرحوم القاضي ـ ذلك الرجل العظيم ـ يقول لرفقائه: لا تَغفلوا عن التوسل بالأئمة عليهم السلام وبالخصوص سيّد الشهداء، فإنّ مفتاح الطريق هو في هذا التوسّل، ولا فائدة من دونه. فقد كان أولئك يرون أموراً وكانوا يحسونها، لذا قال المرحوم العلاّمة: لابد أن نُتبع مجلسنا بتلك التوسّلات حتى يحصل القارئ على تلك البركات.
نرجو من الله عز وجل أن يجعلنا ممتنين دائماً لتلك الأنفاس القدسية لأولياء الله وشاكرين لتلك الأنفاس والهمم، وألاّ يحرمنا من التنعم ببركات حالاتهم وأنفاسهم دائماً.
اللهمَّ صلِّ على محمّد وآلِ محمّد


[1] ـ عملة ألمانية .

[2] ـ كأنّ سماحة السيّد يشير إلى الرواية التي نقلها العلامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار ج 30 ص 287 ، وهي رواية طويلة، وموضع الشاهد فيها قول عمر بن الخطاب : "... فضربتْ فاطمةُ يديها من الباب تمنعني من فتحه، فرمته فتصعب عليَّ، فضربت كفيّها بالسوط فآلمها, فسمعت لها زفيراً وبكاءً, فكدت أن ألين وأنقلب عن الباب فذكرت أحقاد عليّ وولوعه في دماء صناديد العرب, وكيد محمد وسحره, فركلت الباب وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه, وسمعتها وقد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها, وقالت: يا أبتاه! يا رسول الله! هكذا كان يفعل بحبيبتك وابنتك, آه يا فضة! إليك فخذيني فقد والله قتل ما في أحشائي من حمل..."

[3] ـ ورد في مسند أحمد ج4، ص126: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين من بعدي.

[4] ـ الروح المجرّد ، ص 103.

[5] ـ كان وقت هذه المحاضرة بعد وفاة المرحوم الشيخ محمد تقي بهجت في قم المقدسة بوقت قليل، حيث توفي رحمه الله في 22 جمادى الأولى لعام 1430 وألقيت هذه المحاضرة في 28 جمادى الأولى لعام 1430هـ ق، وكان الشيخ بهجت أحد تلامذة آية الله السيد علي القاضي.[المترجم]

[6] ـ ورد في كتاب المثنوي الدفتر الاول بهذه الكيفية: مطلق آن آوازه خود از شه بود گرچه از حلقوم عبد الله بود

ـ

 

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی <-- -->