معرض الصور المحاضرات صوتيات المكتبة سؤال و جواب اتصل بنا الرئیسیة
 
المقالات و المحاضرات > محاضرات العلامة الطهراني > محاضرات متعددة > اتحاد بني آدم في الإنسانيّة

_______________________________________________________________

هو العليم

اتحاد بني آدم في الإنسانيّة

 

 

سماحة العلامة

آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف                                           تحميل الملف الصوتي للمحاضرة

بسم الله الرحمن الرحيم

[للأسف حذف مقدار من الكلام في بداية الشريط]

    

منطق الاستعمار في التعاطي مع البشر

هذا مثال انجليزي، يستخدمه جميع الناطقين باللغة الانجليزية؛ كما نقول نحن مثلاً: "الشمس لا تبقى تحت السحاب", فهذا مثال يحفظه جميع الأطفال. ومعنى هذا المثال هو أنّ: "القوّة هي الحقّ، والقدرة هي الحق"؛ فأينما تكون القوة يكون الحقّ؛ هذا عبارة عن قاعدة وقانون عندهم.
وعلى أساس هذه القاعدة ألّف هؤلاء الكتب, وبنوا عليها تحركاتهم, وسيّروا السفن, وأسقطوا القنابل في العالم على رؤوس الناس, وسبّبوا المجاعات؛ فهؤلاء الهنود المساكين.. نرى أن الملايين.. الملايين كانوا يموتون بسبب المجاعات والقحط، بينما كان هؤلاء يسرقون ثرواتهم، وأولئك كانوا يموتون جوعاً! هكذا كانوا والآن هم كذلك, وعلى هذا الأساس يقولون: إنّ هؤلاء حيوانات، والحيوان يجب قتله عملاً بالمنطق الذي كان يقول به "لاينچ".
هؤلاء يعتقدون على أساس المنطق والاستدلال بأنّ السكّان المحليّين وغير المتحضّرين والسود و... هم أقلّ عقلاً ودراية, أما نحن فالقدرة والقوة في أيدينا؛ لذا يجب أن نتسلّط عليهم. لذا يقول الطبيب الانجليزي يقول:
"لو وفّقت تلك السفينة التي كانت قد تحركت نحو أفريقيا ووصلت إلى قرب السواحل، ولم تبتلَ بالطوفان ووصلت بأمان إلى أفريقيا.. لو أنّها فتحت ذلك المكان لكان لانجلترا الآن وضع آخر، ولكان لوزارة المستعمرات شكل آخر. ولكن للأسف، ماذا يمكن أن نفعل، فقد تعرّضت للعواصف وعاقها عن الوصول شدّة الأمواج، وقبل أن تصل هذه السفينة وصلت سفينة الفرنسيّين, واحتلّوا ذلك المكان".
إنّه يتأسّف ـ مع أنّ الانجليز أكلوا جميع الدنيا ـ ويقول: لماذا تعرّضت تلك السفينة للطوفان ولم يستطع راكبوها أن يحتلّوا ذلك المكان! هذا هو منطقه.
وهناك شخص يدعى "بيسمارك" كان يقول صراحةً:"الحقّ يعني مدفع الدبابة، ومن كان مدفع دبّابته أقوى فالحقّ إلى جانبه!"
حسناً هذا منطق! نعم هو منطق كانوا يؤلّفون الكتب على أساسه.. يبنون الجامعات, ويخرّجون أساتذة ورؤساء جامعات لهم مواقعهم.. وخبراء في علم الاجتماع لهم الأمر والنهي. لا تتصوّروا أنّ هؤلاء الذين جاؤوا وجعلوا تمام الدنيا لقمة في أفواههم كانوا متخلّفين! كلا, بل إنّما صنعوا ذلك على أساس الدبلوماسيّة، واعتماداً على الحسابات الدقيقة وعلى المنطق! ومنطقهم هو هذا المنطق بعينه.
كان هتلر يقول في أيام شبابه:
"نحن نمتلك القوّة، ويجب إعمال هذه القوّة، لذا لا بدّ أن نضرب رأس كلّ مسكين أقلّ منّا قوّة, وما ذلك إلا لأننا نمتلك القوّة والقدرة! لماذا؟ لأنّ نظام الطبيعة قائم على أساس غلبة القدرة ونحن إذا لم نُعمل قدرتنا، فقريباً سوف تتسلّط علينا تلك الحيوانات الوحشيّة وتقطّعنا وتنهشنا, بل ـ لو لم تكن القوة هي الأساس ـ ستتسلّط الحشرات على تلك الحيوانات الوحشيّة أيضاً وتأكلها، وفي النتيجة لا يبقى في العالم إلا الميكروبات!"
في ذلك الوقت كانوا يوقدون الأفران ويلقون الناس فيها وهم أحياء ويقتلونهم، وكانوا يضعون أجسادهم في المصانع ليصنعوا منها الصابون، لقد كانوا يصنعون الصابون من دهون أولئك الناس وأجسادهم، على أيّ أساس كان ذلك؟ على أساس أنّ لدينا القدرة والقوة، ويجب أن نقوم بأي عمل نحبّه. هذا منطق خاطئ! هذا الكلام بعيد عن الصواب.

    

مبدأ الإسلام في التعاطي مع البشر

لقد جاء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال: أيّها الناس إنّ هذا الذي ترونه أمامكم هو نبيّكم.. أنا عربيّ ومن قريش, ولكن لا تظنّوا أني أفتخر على سائر الناس بذلك, أنا أيضاً مثلكم؛ سواء كان الإنسان عربيّاً أو أعجميّاً فهذه عناوين جعلها الله بهدف تميّز ومعرفة القبائل والأفراد. فقد جعل بعضهم طويلاً وبعضهم قصيراً.. جعل بعضهم أبيض وبعضهم أسود، كلّ ذلك لأجل المعرفة, ولو كان لجميع الناس شكل واحد.. لون واحد.. وجه واحد.. قامة واحدة.. لما كانوا يعرفون!
"لا فضل لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ إلا بالتقوى"
لذا لا يستطيع أي إنسان في يوم القيامة أن يفتخر على آخر إلا إذا كان هو الأتقى والأطهر والأصفى؛ يعني الذي تحرّك على أساس العقل ووصل إلى الهدف.
وهذه الآية من آيات القرآن المجيد واضحة وجليّة جداً تبيّن منطق الإسلام:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[1].
أيها الناس! نحن خلقناكم جميعاً من أصل واحد {من ذكر وأنثى}؛ من رجل واحد وامرأة واحدة, جميعكم ترجعون إليهما؛ واختلاف آبائكم وأجدادكم في الأعراق لا يعني اختلافكم من حيث الأصل, فهذا الاختلاف ينتهي إلى نسل واحد, والجميع يرجعون إلى آدم وحوّاء، فاختلاف الأنساب لا يجعل بعضهم حيواناً وبعضهم الآخر غير حيوان, الجميع بشر! بعضهم عاش هنا.. بعضهم هناك, بعضهم أصبح أسود.. بعضهم أصبح أحمر. {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا} يعني أننا جعلناكم مجموعات مختلفة, لكي يتعرّف بعضكم على بعض {لِتَعَارَفُوا}؛ أي لكي تستطيعوا أن تعيشوا معاً, لكي تستطيعوا أن تتعاملوا فيما بينكم؛ فالإيرانيون يتعاشرون فيما بينهم, وكذا العرب يعاشرون بعضهم, ويتعرّفون على بعضهم, لكن مع غضّ النظر عن ذلك تقول الآية: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}؛ فكلّ من كان أكثر تقىً وأشدّ طهارة فهو أكرم عند الله؛ حتى وإن كان عبداً حبشياً مثل بلال الذي هو خير من سادة العرب وقرش آنذاك.
فأبو سفيان كان عربياً, وكان رجلاً عالماً خبيراً بأمور الدنيا، كثير الأسفار، وكان من رجال السياسة ومن الأشراف.. لم يكن أبو سفيان من صغار الناس, فقد جاء إلى إيران.. وذهب إلى بلاد الروم، والتقى بالملوك، كما أنه كان رجلاً سخيّاً.. كان مضيافاً.. يساعد الفقير.. يفي بالوعد الذي يقطعه حتى لو أدّى إلى سفك دمه... هكذا كان أبو سفيان, لكنه لم يكن مسلماً, لم يكن تقيّاً, لذا يقول النبي يجب أن تكون تحت إمرة غلام حبشيّ؛ يعني تحت إمرة بلال الحبشيّ!
وبما أن المعيار عندنا هو هذا، يقال: هذا أكثر تقوى فهو المقدّم. الآن ذلك لا يستطيع أن يقول: أنا عربيّ ومن قبيلة قريش وأنا كذا وكذا.. أنا فلان.. وما شابه ذلك من كلام؛ هذا المنطق لا يقبل بهذا الكلام أبداً.
عندما يجري الإنسان على أساس ذلك المنطق الدنيويّ, حينئذٍ سيزول بلال وأمثال بلال جميعهم ويسحقون تحت الأرجل ويُعدمون, لا بلال وحده.. بل سيأتي سيل من الأمور ويحمل الجميع مرّة أخرى إلى قصور أولئك للخدمة فيها، ولكي تعرض على معاوية, (وهذا هو نفس كلام ومنطق أبي سفيان؛ حيث يقول: إنّ العرب بما هم عرب لهم شرف وكرامة؛ سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين)، لذا بمجرّد أن جاء ذلك المنطق, حصل تمييز عنصريّ بين الأسود والأبيض, وجرى تفاضل بين السادة والعبيد, وتفضيل العرب على العجم؛ فقد أعطى عمر تعليمات بأنّه لا يحق لعجميّ أن يكون إمام جماعة, فإمام الجماعة يجب حتماً أن يكون عربياً, كما ينبغي أن لا يقف الأعاجم في الصف الأول والثاني في الجماعة قريباً من الإمام, بل يجب أن يقفوا في الصفوف الأخيرة. والعجمي لا يستطيع أن يتزوّج بامرأة عربيّة، أمّا العربيّ فيستطيع أن يتزوج بامرأة عجميّة, كما أن عطاء العجمي من بيت المال مختلف عن عطاء العربيّ.. فعطاء العربي أكثر! وهكذا...
ينظر النبيّ بعين واحدة إلى الجميع, ويرى أنّ كافّة أفراد البشر هم عباد الله, والكلّ عبد لمعبود واحد.. الجميع مخلوق لخالق واحد, ولا يوجد بين هؤلاء وبين ربّهم أيّ أساس للكرامة سوى التقوى. هذا المنطق مهمّ جداً، لكننا لا نعرف قدره!
عندما نذهب إلى مكّة أو إلى المدينة ونلتقي بأولئك السود, نجلس إليهم يحدّث بعضنا بعضاً.. نأكل معاً.. نشرب معاً.. تماماً كما يصنع الإخوة. في الواقع نحن لا نفهم هؤلاء الأوروبيين وهؤلاء الانجليز المتوحّشين الذين يشكّلون "حديقة حيوانات مفترسة في العالم", هؤلاء لا يمكنهم أن ينظروا إلى الإنسان الأسود كما ننظر نحن، ولو للحظة واحدة؛ فعندما ينظرون إليهم يرونهم أشباحاً ووحوشاً؛ لأنّهم سود, لهذا السبب فقط! يرونهم أشباحاً ووحوشاً وخارجين عن الإنسانيّة ومستحقّين للقتل.. وللسحق تحت جنازير الدبّابات وللذبح وسفك دمائهم...
هذا هو منطق السيّد (كُنت فينو)؛ حيث كتب أربعة مجلّدات مفصّلة في مزايا الأعراق والسلالات وأفضلية بعضها على البعض الآخر، وجعلها بصورة قانونية وأمثال ذلك.
كيف يمكننا أن نقارن هذا الكلام بمنطق رسول الله صلّى الله عليه وآله، وسيرة أمير المؤمنين عليه السلام، ومذهب التشيّع الذي ندين به, والعقل الرائع والفطريّ القائم على أساس الحقّ والواقع؟
هذا هو معنى العقل الذي يقول عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام: "إذا رأيت الناس يتقرّبون إلى الله بأنواع البرّ فتقرّب أنت إليه بعقلك تسبقهم".

    

بدء النبي في تطبيق الأحكام بنفسه قبل الآخرين

النبيّ نفسه أيضاً كان كذلك, كان يقول أنا مثلكم, لم يكن ليميّز العبد والجارية عمن سواهما؛ فقد زوّج ابنة عمّته لابنه بالتبنّي! كما زوّج أمّ أيمن التي كانت جارية حبشيّة لزيد بن حارثه وولد منها أسامة.
وعندما عزم النبيّ أن يزوّج ابنة عمّته من ابنه بالتبنّي, كان قلقاً: يا إلهي كيف أعلن ذلك بين الناس؟ لقد اعتاد هؤلاء على سنن الجاهليّة ولا يستطيعون أن يقبلوا بهذا الكلام.. والقضيّة مفصّلة جداً، وأنّه كيف مهّد للأمر وماذا صنع حتى أمكنه أن يقترح ذلك.. وفي ذلك الوقت أيضاً كم كان ثقيلاً على زينب التي كانت ابنة عبد المطلب وكبير قريش وكانت سيّدة شريفة.. أن تصير زوجة غلام أو زوجة ابن رسول الله بالتبني؟! كأن تصير زوجة عبد عندها، كم كان هذا الأمر صعباً عليها! وذلك كله كان يجب أن يُطبّق بعنوان الإسلام وبعنوان أنه أمر من الله. إنّه أمر مشكل جداً, أن يريد الإنسان أن يطبّق هذه الأعمال بين الناس مع قبولهم لها وعملهم بها.
وكذا ما نراه من النبي حول الربا؛ حيث يقول:
"يجب أن يزول الربا ـ وقد قرأت آيات الربا في أحد الأيام هنا ـ نعم, يقول في حجة الوداع: أوّل ربا وضعته تحت قدميَّ ربا عمي العباس"يعني أولاً أطبّق الحكم على نفسي؛ فالعباس هو عمّي.
وجميع الربا الذي أخذتموه في الجاهلية موضوع؛ يعني أن كل شخص أخذ قرضاً من أحد من الناس.. يجب عليه أن يُرجع أصل المال! ويدع جميع أنواع الربا! ومن الآن فصاعداً يجب أن يعاد تمام رأس المال, أما الربا فهو ساقط.
انظروا! نسمع أن كبار العرب الذين كانوا يقرضون أموالهم للناس، وكانوا ينتظرون أن تنتقل أموال الفقراء إليهم، وتنتقل إليهم بيوتهم وحياتهم وأغنامهم وأبقارهم كلها ـ وكان الأمر كذلك فعلاً ـ كيف يمكن لهؤلاء أن يقبلوا الآن وبعد مضي عشر سنوات على إعطاء زيد مالاً، ويقولوا لقد أعطينا منذ عشر سنوات هذا المال، وصار الآن أضعاف ما كان بحيث يمكننا أن نستولي به على بيته وحياته, وبعد ذلك يأتي النبي ويقول له: يجب عليك أن تأخذ رأسمالك فقط!؟ فمن الطبيعي أنه سيقول: إن كلام النبي هذا غير صحيح, ونحن لا نفهمه, لذا {قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}[2]، فالبيع والشراء نفس الربا, لا يوجد اختلاف بينهما!
عند ذلك يقول النبي: "لقد وضعت جميع هذا الربا تحت قدمي، وأول ربا أسقطته ربا عمي العباس". (والعباس أيضاً كان يأكل الربا, بل كان من المرابين المعروفين وكان يقرض المال ويأخذ عليه الربا). يعني أني أوّل ما أجري هذا الحكم أجريه على عمي الذي هو كنفسي، حتى لا يكون إجراؤه على سائر الأفراد موجباً للتعجّب، وقول الناس: إن هذا الحكم الذي يحكم به النبي إنما يحكم به على غيره. لكن الأمر بالنسبة له ولأقاربه مختلف تماماً، لذا طبق الحكم أولاً على نفسه وعلى أقاربه.
وكذا إذا قتل شخص آخر في الجاهلية، وصار الآن مسلماً، فلا يمكن أن يسفك دم مسلم لذلك، فالشخص الذي قتل في الجاهلية ليس لدمه قيمة؛ بمعنى أن الشخص الذي أسلم صار لدمه قيمة واعتبار. فإذا فرضنا أن شخصاً قتل زيداً في الجاهلية، وقد أسلم الآن, فلا يمكن أن يُقتل هذا المسلم ويُقتصّ منه, لماذا؟ لأن ذلك الشخص كان مشركاً وكان جاهلياً. وقد أعمل هذا الحكم أولاً على نفسه، وأمثال هذه الأحكام.
وهذا إنما يدل على أن جميع الأحكام التي وردت في الإسلام ناظرة إلى جميع أفراد البشر على حد سواء, وجميعهم مشتركون فيها؛ سواء كان أبيض أو أسود، وسواء كان من الشمال أم من الجنوب.

    

حقيقة فريضة الجهاد في الإسلام

كما أن الإسلام حينما أوجب الجهاد على المسلمين، إنما أوجبه لأجل أن يقول: أنتم الذين تتمتّعون بنعمة الإسلام, لا تستأثروا بهذه النعمة وحدكم, ولا تكونوا الوحيدين الذين تجلسون على هذه السفرة وتستفيدون منها بمفردكم! لأنكم تشتركون مع جميع البشر بأنكم من فصيلة واحدة؛ فالضرر المتوجه عليهم هو ضرر لكم، كما أن نفعكم هو نفعهم! فإذا أسلمتم أنتم ووصلتم إلى هذه الحقيقة, عليكم أن تمنحوا هذا الغذاء أيضاً وتتيحوه لهؤلاء, وإذا لم يقبلوا فاذهبوا وأرغموهم على القبول! اجعلوهم يقبلون بحد السيف!! وقولوا لقد جئنا وأحضرنا شبابنا إلى الميدان لمحاربتكم كي تصيروا مسلمين, حتى لو قُتلوا، فلا بأس، فهدفنا فقط أن تقولوا أنكم مسلمون! فقط هذا. وإذا صرتم مسلمين فهذا هو المطلوب، وعندئذٍ, لا نغير عليكم, ولا نأسركم, ولا نغنم منكم, فأملاككم وأرواحكم وجميع ما لديكم مبارك عليكم, وهي لكم. وما قدمّنا من القتلى في هذه الحرب والمؤن التي صرفناها فيها، وجميع الأعمال والمشاق التي تحملناها في سبيل ذلك.. إنما هي لكي تصيروا مسلمين فقط, وبعد ذلك ندعكم في أمان الله وسلامته!
ماذا يعني هذا؟ حلّلوا هذا الأمر ماذا يعني؟ هذا يعني أننا نقرأ القرآن، ونحب أن تقرءوه أنتم أيضاً, نحن نعرف الله ونحب أن تعرفوه أنتم أيضاً؛ لماذا؟ لأن هذا الأمر هو الحقيقة, هذه هي الواقعية, لا يمكن للمسلم أن يرى نفسه يستفيد من هذا الغذاء المعنوي المهم جداً، وجاره جائع مثلاً.
لقد أوصى النبي بأن تعطى القطة التي تدخل البيت أثناء تناول الطعام قطعة منه، وقال: لا تأكلوا الطعام وتذروا ذلك الحيوان ينظر إليكم! هذه عادة الجبارين؛ هذه الحيوانات ليس لديها مكان, وليس لديها بيت, بل تذهب من بيت إلى بيت، لذا عليكم أن تهتموا بالقطط, لا تطردوها بل أعطوها من غذائكم.
وعندما يقول النبي يجب أن تهتموا بهذا الحيوان وأن تدخلوه إلى بيوتكم، وكذا عندما يوصي بدجاج المنزل, وبأغنام المنزل, ويوصي بحمام المنزل.. أن إياكم أن تقتلوها! وإياكم أن تحرقوها! وإياكم أن تضعوها في متناول الأطفال! إذ قد يربطون أقدامها ويسحبونها ويكسروا أرجلها! لذا عليكم إما أن تذبحوها وتأكلوا لحمها، وإما أن تطلقوا سراحها. فإذا أردتم الاحتفاظ بالغنم فعليكم أن تهتموا بها جيداً؛ فلا تدعوها جائعة، وإلا فسوف تتحمّلون مسؤولية هذا العمل، وسيرميكم الله تعالى في جهنّم لتقصيركم في إبقاء هذا الحيوان جائعاً، لماذا كان ذلك؟ لأن وجود الإنسان مرتبط بوجود هذا الحيوان. وإذا لم يكن بين الإنسان والحيوان أي ربط، فلماذا كانت جميع هذه التعاليم في الإسلام؟
كما نرى أن منطق الماديين هو أنهم يقولون: كل فرد منفصل عن الفرد الآخر, وكل إنسان منفصل عن الآخر, لا نريد أن يكون بينهم أي نوع من الاشتراك والاتحاد والاتصال؛ فإذا أبيد هؤلاء القوم فإلى الجحيم، وإن مات والد هذا الإنسان فإلى الجحيم, وإن بقي جائعاً فإلى الجحيم, و..., حسناً هذا هو منطقهم!
ماذا يعني ذلك؟ هذا المنطق يدعو إلى الكثرات، إلى أن تكون جميع موجودات العالم منفصلة عن بعضها ومتفرقة, فلا معرفة ولا صداقة ولا ارتباط!
من المسلم به أن هذا المنطق خطأ؛ لأن نفس الشخص الذي يتكلم بهذا الكلام لا يستطيع أن يخالف وجدانه وغريزته وفطرته ويترك أباه! لا يستطيع أن يترك أمه! وإذا تركهما فبسبب قسوته, وفي هذه الحالة سيكون من قبيل من أخفى فطرته وحجبها, وعندما يرجع إلى طبيعته ويعود إلى وعيه سوف يأسف على ذلك؛ لأنه لا يمكن ترك الوالدين, فالشيء الذي يعتبر مرتبطاً بذاته ويريد الإنسان أن يقطع اتصاله, يمكنه أن يقطع هذا الاتصال في عالم الاعتبار والتخيل لا في عالم الخارج! فهؤلاء في الواقع يخدعون أنفسهم.
لذا فعالم الخارج قائم على أساس هذا المنطق ـ الذي هو منطق صحيح ـ وهو أن جميع الأمور مرتبطة فيما بينها، وجميع الأقوام مرتبطون ببعض، مع أنهم مختلفون فيما بينهم.
الأشخاص الذين تكون فئات دمهم مختلفة, ( يقال إن فئات الدم أربع فئات، فنفس الشخص الذي اكتشف فئات الدم هذه قال: هذا الذي أضعه بين أيديكم ـ كون فئات الدم أربع ـ هو قانون تقريبي، وإلا فكل فرد من الناس يختلف دمه عن دم الفرد الآخر، ولا يمكن أن يكون دم شخصين في العالم واحداً من جميع الجهات, ولكن باعتبار أني أريد أن أصنّف الدم فقد صنّفتها ضمن أربع فئات, وهذا على نحو التقريب. وأما في الواقع وحقيقة الأمر, فكل شخص مختلف في تركيب بدنه عن الآخر؛ إذ نسيج بدنه غير نسيج بدن الآخر, وتقاسيم بدنه مختلفة عن تقاسيم بدن الآخر، وكذا تركيبات بدنه الفيزيائية والكيميائية مغايرة عما هي عند الآخر، وليس بينها اتحاد أبداً. ومن هنا نرى مثلاً أن الشخص الذي يؤلمه قلبه عندما يتناول من أعشاب لسان الثور يصح, فنقوم نحن بوصفه للجميع, ولكن مقدار هذه العشبة من لسان الثور مختلفة عن تلك، وتلك مختلفة عن هذه, فإذا أردنا أن نحدّد بدقة المقدار الذي يجب أن يتناوله من هذه العشبة من لسان الثور، نقول يجب أن يأخذ منها خمس مثاقيل ونصف, بينما يجب أن يأخذ من تلك أربع مثاقيل ونصف، ومن تلك يجب أن يأخذ ثلاث مثاقيل, ولكن بما أننا لا نستطيع أن ندقّق بهذا الحد، نكتب للجميع: "خمس مثاقيل" من باب أنه وصفة للجميع، وأن هذه سفرة للجميع، وعلى كل شخص أن يتناول منها ما يريد من الطعام, أما الذي يريد أن يشخّص بدقّة على أساس الواقع، فعليه أن يشخّص لكل فرد حالته ويعيّن له برنامجاً خاصاً لا يمكن تجاوزه) فهذه الشعوب المختلفة ترجع جميعها إلى أب واحد وأم واحدة.
فالأمريكيون الذين يسكنون في ذلك الطرف من العالم ليسوا قوماً آخرين، بحيث أن لهم أصلاً آخر وأباً آخر جاء بعد طوفان نوح واستقل بنسله هناك, أو أنهم قوم جرى عليهم بعض الأحداث قبل الطوفان، والحال أنه لا اطلاع لأحد غير الله على عمر الأرض, فهؤلاء جميعاً من أولاد آدم وحواء, مهما كانوا. لذا يجب أن يحصل التحرك على أساس الفطرة، كي يتوصل إلى الأمور الواقعية في زمانهم على أساس ذلك العقل.
فهذا القرآن الكريم وهذه السيرة الطاهرة للرسول الأكرم عجيبة جداً! يعني إذا تناولت أي آية من هذا الكتاب الإلهي؛ من أوله إلى آخره ترى أنها كلها تعتمد على أساس هذا المنطق.
دين النبي موسى هو دين الله، ولكنه لم يتجاوز بني إسرائيل إلى غيرهم (فنفس اليهود الذين هم أفراد عنصريون, ونسبوا لأنفسهم تلك المزايا الإلهية وغيرها، وكان سلوكهم وعملهم في الخارج بحيث أنه لم يدخل أي فرد من غير بني إسرائيل في اليهودية, وجميع هؤلاء الأشخاص الذين هم يهود الآن ينتهون جميعاً إلى نفس بني إسرائيل، وهم محدودون بهذا الحد فقط) والنصارى وإن كان دينهم أوسع إلا أنه ابتلي بالأوهام والخرافات، وصار عرضة لتصرّف الكنيسة والقساوسة وأغراضهم الشخصية. (ولديهم أربعة أناجيل أساسية؛ كل منها يختلف عن الآخر؛ فهذا الإنجيل مخالف لذلك، وذلك الإنجيل مخالف لهذا. كما يوجد بعض المطالب المسلّم أنها ليست صادرة عن النبي عيسى، وبدون شك فيه تحريف. النبي عيسى والنبي موسى هما أنبياء إلهيون, ودينهم دين سماوي بشهادة القرآن، ولكن الدين الموجود الآن في أيديهم ليس سماوياً! والجنايات التي ارتكبها القسيسون والكنائس، والقتل الذي مارسوه على الناس ورموهم في الأفران.. إذا أراد الإنسان أن يبينها لأي فرد مسيحي فلن تكون له سوى أفعالاً مسودة للوجه!) بينما هذا القرآن المجيد عجيب جداً! أنتم ترون الآن أن الإسلام يعم البلدان من المدينة التي أشرق منها نور النبي إلى هنا (خراسان)، الجميع مسلمون!
هل وصل سيف الإسلام إلى هنا؟! وهل وصل سيف الإسلام إلى التبت ومنغوليا؟! وهل وصل سيف الإسلام إلى طاجيكيا وأوزبكستان وبخارى والبلخ؟! هل تدرون بأي شيء وصل الإسلام إلى هناك؟ السبب في ذلك أن المسلمين كانوا يدعون الناس، وكانوا يتلون القرآن، وكانوا يحضرون هذه الأقوام إلى منازلهم، لقد كانوا يحضرون العبيد ويربوهم، وكانوا يأتون بالغلمان والعبيد إلى منازلهم ويربوهم ثم يحرروهم. هؤلاء الذين كانوا يبقون مدة في منازل المسلمين، كانوا يتعرّفون على آداب الإسلام, وكانوا يفهمون أن المسلم هو هذا! حسناً حينما كانوا يتحرّرون ما كانوا يتركون هذا الدين.

    

مسألة العبودية في الإسلام مسألة قيّمة

لقد أزيلت اليوم قضية العبودية في العالم, فلم يعد يوجد شخص لديه عبد مملوك، وهؤلاء يقولون: هذه خدمة للبشرية، ولكن هذه أكبر جناية! لأن هؤلاء العبيد الذين أمضى الإسلام حكم عبوديتهم، غير قانون هؤلاء الذين كان هؤلاء يأتون بالعبيد إلى منازلهم ويجعلونهم ملكاً مطلقاً لهم.. يقتلونهم، أو بإمكانهم أن يحرقوهم, أو ينزلوا بهم أي جناية شاءوا!
الإسلام يقول: حافظ على العبد.. أطعمه من طعامك.. زوّجه، أو إذا كان امرأة (أمة) تزوجها, وأنجب منها ولداً، وأعطها طعامك.. ألبسها من ثيابك, علمها الإسلام, وأدبها بالآداب الإسلامية, ثم حررها.
يذهب المسلمون إلى الحرب والجهاد ويأتون بالعبيد، ولكنهم يجعلونهم يعيشون معهم في المنازل, عشرين سنة أو عشر سنوات حتى يصبح هذا العبد إنساناً ذا تربية, وبعد ذلك يحرّر.
لدينا أسباب كثيرة لتحرير العبيد, سواء تحت عنوان الوجوب؛ ففي أنواع مختلفة من الكفارات يجب أن يعتق رقبة؛ في الحلف تعتق رقبة, في النذر والعهد واليمين يجب أن تعتق رقبة, في الإفطار عتق رقبة, في قتل إنسان عتق رقبة, في قتل الخطأ عتق رقبة, إذا قمت بالفعل الفلاني في مكة يجب عتق رقبة. فضلاً عن استحباب العتق في بعض الأحيان؛ كليلة عيد الفطر، فطوبى لمن يحرر عبداً في ليلة عيد الفطر!
لذا نرى أنه عندما كانت تحل ليلة عيد الفطر كان الإمام زين العابدين عليه السلام يجمع العبيد جميعاً, (كل ما كان يملك من عبيد) وكان يقول لهم: لقد مرت سنة على وجودكم عندي وأنا عبد مذنب وعاص فادعوا لي، وكان هؤلاء يدعون للإمام زين العابدين، وبعد ذلك كان يقول لهم: اذهبوا في سبيل الله, أنتم أحرار! لكنهم لم يكونوا يرغبون بالذهاب! فإلى أين يذهبون؟ وأين يحصلوا على منزل كهذا المنزل وعلى تربية كهذه، لذا ما كانوا يتركونه.
ومن العجيب أن يسد باب امتلاك العبيد, فقد أزال هذا الأمر.
عندما ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة وملك الدنيا, أسر هذه الدنيا بهذه الأخلاق، أسرها بهذا المنهاج, أسرها بهذا المنطق. {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[3]. هذا هو البرنامج العملي! {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} هذا هو البرنامج العملي! هذا هو البرنامج!

    

اعتماد التصدق على المحبة وحفظ كرامة الفقير

عندنا آيات كثيرة تتعلق بالإنفاق، وتقول بأن الإنفاق الذي تنفقونه.. أنفقوه بإخلاص, لا تمنّوا، فحينما تعطون المال لشخص ما.. تعطون كفارة.. تعطون صدقة.. تعطون زكاة.. كل ما تعطون أعطوه باحترام كبير. أعطوا في بعض المواضع علناً, وفي مواضع أخرى أعطوا بشكل سري؛ والموضع الذي تعطون فيه بشكل علني تكون المصلحة في ذلك, والموضع الذي تعطون فيه بشكل سري يجب أن تكون المصلحة فيه. تجنبوا حالة انكسار الشخص الذي يأخذ منكم, وإلا فإن صدقتكم ستكون باطلة.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى}[4]، فأنت الذي تريد أن تعطي هذه الصدقة للشخص الفلاني ـ كأن تريد أن تشتري له منزلاً ـ فيجب أن لا تختلف هذه الصدقة عن الصدقات والإنفاقات التي كنت تقوم بها سابقاً، فإذا أردت أن تمنّ عليه بهذه الصدقة، ولو أن تقول له في عمرك: أنا اشتريت لك منزلاً، أو أنا ساعدتك في هذا الأمر، فلن يكون لك شيء من الثواب! أو أن تؤذيه وتذكّره بها دائماً، أو أن تطالبه بالعوض، وأمثال ذلك.. فمن الأفضل عندئذٍ أن لا تفعل هذا الفعل! فإذا لم تعط صدقة، بل فارقت الفقير بلسان حسن وكلام جميل؛ كأن تقول له: أرجو المعذرة منك, لقد قصّرت في حقك كثيراً وأرجو منك المعذرة؛ {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى}[5]، وعند ذلك إذا أعطيت فأعط بمقدار ما تشاء, حتى لو كان عطاؤك إلى حدّ لم يبق شخص فقير, {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}. وكذا هذه الآية التي تقول:
{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[6]. عندما تريد أن تعطي مالاً وتتصّدق, يقول الشيطان: لا تعط! لا تضع يدك في جيبك, غداً ستبقى جائعاً, اترك هذا المال لزمان الشيخوخة، دع المال لهذا العمل و... لكن أنظر ماذا منحك الله تعالى من فهم؟ حسناً لم يأت النبي بهذا الكتاب لأجل نفسه, إنما أتى بهذا الكتاب لأجل أن يقرأه المسلمون دائماً، ليقرؤوه إلى يوم القيامة، وليعملوا به, وعندما يعملون به يجب أن يتصدقوا.
لكن لمن ينبغي أن نعطي الصدقة؟ هل نعطيها للأسود, أو للأبيض.. نعطيها للأحمر.. نعطيها للأصفر؛ هنا يصير لدينا روح الوحدة وروح الحقيقة وروح معرفة الله وروح الإيثار والعقل الكلي الفطري الذي خلق الله الإنسان وفطره عليه.
وهذا أيضاً من معنى الحديث: "يا علي إذا رأيت الناس يتقرّبون إلى خالقهم بأنواع البر فتقرّب أنت إليه بعقلك تسبقهم".

اللهم صلّ على محمد وآل محمد

 

 

 


[1] ـ سورة الحجرات(49) صدر آية 13.

[2] ـ سورة البقرة (2) من الآية 275.

[3] ـ سورة النحل (16) آية 90 .

[4] ـ سورة البقرة (2) صدر آية 264 .

[5] ـ سورة البقرة (2) صدر آية 263 .

[6] ـ سورة البقرة (2) صدر آية 268 .

      
  

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المتقين www.motaghin.com ويسمح باستخدام المعلومات بشرط الإشارة إلى المصدر.

© 2008 All rights Reserved. www.Motaghin.com


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی <-- -->